الحسد
رؤى زوجية

الحسد
 


تعريف الحسد:

          الحسد: هو تمني زوال النعمة عن الغير. فلا حسد إلا على نعمة أنعم الله بها على إنسان. والفرق بينها وبين الغبطة أن من يغبط الآخر لا يتمنى زوال النعمة ولا يكره وجودها ودوامها، ولكن تشتهي نفسه مثلها، ويسمى ذلك منافسة مقبولة وممدوحة.

والحسد حرام بكل حال إلا نعمة أصابها فاجر أو كافر وهو يستعين بها على إثارة الفتنة، وإفساد ذات البين، وإيذاء الخلق، فليس هناك ضرر في أن يكرهها الناس ويتمنوا زوالها، ليس من حيث هي نعمة بل من حيث هي آلة للفساد فحسب[1].

وقال رسول الله r : "لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالاً فسلطه على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله علماً فهو يعمل به ويعلمه للناس"[2].

وسُئِل أحمد بن يحيى عن معنى الحديث ، فقال:

"معناه لا حسد يضر إلا في اثنتين".

 وقال الأزهري:" هو أن يتمنى الرجل أن يرزقه الله مالاً، ينفق منه في سبيل الخير، أو يتمنّى أن يكون حافظاً لكتاب الله فيتلوه آناء الليل وأطراف النهار".

وقال e: "مَثَلُ هذه الأمة مثل أربعة: رجل آتاه الله مالاً وعلماً فهو يعمل بعلمه في ماله، ورجل آتاه الله علماً ولم يؤته مالاً فيقول: ربّ لو أن لي مالاً مثل مال فلان لكنت أعمل فيه بمثل عمله، فهما في الأجر سواء، ورجل آتاه الله مالاً ولم يؤته علماً فهو ينفقه في معاصي الله، ورجل لم يؤته علماً ولم يؤته مالاً فيقول: لو أن لي مثل مال فلان لكنت أنفقه في مثل ما أنفقه فيه من المعاصي فهما في الوزر سواء"[3].

          وفي هذا الحديث لم يتمن أحد زوال النعمة عن الغير، سواءٌ في ذلك مَن تمنّى أن ينعم الله عليه بمثل ما أنعم به على الآخر لكي يوجّهها إلى الخير، أو تمنّى النعمة لكي يستخدمها في ارتكاب المعاصي، فهذه غبطة وتلك غبطة، ولكن الفرق بينهما أن الأولى محمودة والثانية مذمومة.

          ويقول القرطبي: الحسد أن تتمنى زوال نعمة من الله عن أخيك المسلم، وسواء تمنيت مع ذلك أن تعود إليك أو لا. وهذا النوع الذي ذمه الله تعالى في القرآن الكريم بقوله تعالى:} يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله{ [4] إنما كان مذموماً لأن فيه تسفيه الحق- سبحانه وتعالى- وأنه أنعم على من لا يستحق.

          وجاء في حديث المصطفى r : "لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار، ورجل آتاه الله مالاً فهو ينفقه آناء الليل وآناء النهار". وهذا معناه الغبطة.

 وقد روى أن النبي r قال: "المؤمن يغبط، والمنافق يحسد". أي: أن تتمنى أن يكون لك ما لأخيك المسلم من الخير والنعمة ولا يزول عنه خيره. وقد يُعَبّر عنه بالمنافسة، ومنه قوله تعالى:} وفي ذلك فليتنافس المتنافسون{[5].

 الحسد في القرآن الكريم:

          ورد ذكر الحسد باسمه في القرآن في ثلاث آيات من ثلاث سور:

- الأولى: قوله تعالى في سورة البقرة:} ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفاراً حسداً من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره{ [6].

- الثانية: قوله تعالى في سورة النساء: } أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله{ [7].

- الثالثة: قوله تعالى في سورة الفلق:} ومن شر حاسد إذا حسد{ [8].

ويقول الزمخشري: إن الله تعالى في هذه الصورة عرّف بعض المستعاذ منه، ونكّر البعض الآخر ومنه الحاسد، فقال: ومن شر حاسد، وذلك لأن كل حاسد لا يضر، وإنما يكون الضرر من البعض.

 ويقول الزمخشري أيضاً: إن الاستعاذة من الغاسق والنفاثات والحاسد بعد قوله تعالى: }من شر ما خلق{ [9]. وهو تعميم في كل ما يستعاذ منه إنما يرجع إلى الله تعالى في أنه قد خص شر هؤلاء الثلاثة من كل شر، لسبب يرجع إلى خفاء أمر الحاسد وأن شره يلحق الإنسان من حيث لا يعلم، ويكيده من حيث لا يشعر.

وورد الحسد بمضمونه أو بمعناه في آيات أخرى كثيرة، منها- على سبيل المثال لا الحصر- قوله تعالى: } واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق{ [10].

          ومنها قوله سبحانه في أخوة يوسف: } إذ قالوا لَيُوسفُ وأخوه أحب إلى أبينا منا ونحن عُصبة إن أبانا لفي ضلال مبين{ [11].

          وقوله: } إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها{ [12] وغير ذلك كثير.

          كذلك ورد الحسد في كثير من الأحاديث النبوية التي سترد في المواقع التي تناسبها منعاً للتكرار. وقد وصف رسول الله e الحسد بالحالقة، التي لا تحلق النعمة فقط بل تحلق الدين أيضاً.

أنواع الحسد:

          من الآيات القرآنية التي وردت يلاحظ أن الله تبارك وتعالى بَيَّنَ في القرآن الكريم نوعين من الحسد.

 أحدهما: الحسد الجماعي الذي يصدر عن جماعة ضد جماعة، كاليهود والمبشّرين ومن لفّ لفّهُم الذين  يكيدون للإسلام والمسلمين في كل آن وحين.

ثانيهما: الحسد الذي يكون بين الأفراد، وهو الشائع، ومثاله حسد قابيل لهابيل، وحسد إخوة يوسف ليوسف وأخيه علماً أن الحسد هنا لم يُذكر بلفظه.

الحسد تمني زوال النعمة عن إنسان:

يتمنى إنسان زوال النعمة عن إنسان آخر لسببين:

 - الأول: ما توفره هذه النعمة لصاحبها من راحة وسرور.

 - الثاني: يرجع إلى أن الحاسد نفسه، يشعر بأنه تنقصه النعمة التي أصابت غيره، فهو يريد أن يتساوى معه. ولكنه لا يعمل من أجل هذه الغاية، إما لعجزه عن بذل الجهد الذي يُمَكّنه من الحصول على النعمة، وإمّا لأنه كسول متقاعس لا يريد أن يتعب ويعاني من أجل اللحاق بغيره والتساوي معه، فماذا يفعل لكي يحقق هذه النتيجة؟

إنه يُفضّل أن يفقد صاحب النعمة نعمته، وبهذا يعود كما كان لا يتميّز على الحاسد بشيء.

ويقول الغزالي:"وإذا زالت النعمة عن المحسود كان ذلك أشفى عند الحاسد من دوامها، إذ بزوالها يزول تخلفه وتقدم غيره، ويظل هذا الخاطر يلح على الحاسد بحيث إنه لو كان الأمر بيده وموكولاً إلى اختياره لسعى في إزالة النعمة عن المحسود.

 أما إن كان تقياً فإن تقواه ستمنعه من السعي إلى إزالة تلك النعمة وتَحُول دون استجابته لما في طبعه من الارتياح إلى زوالها عن المحسود مهما كان كارهاً لتلك النعمة".

 الحسد  مكتسب أم فطري:

اختلفت الآراء بشأن طبيعة الحسد وهل هو مكتسب أو فطري؟

 وهناك رأيان:

- الرأي الأول: ذهب إلى أنه مكتسب بواسطة التنشئة الاجتماعية التي تشمل التعلم والتعليم والتربية، بمعنى أن الطفل يتعلم الحسد من أبويه عن طريق الملاحظة، إذ يراهما ويسمعهما يُعَبّران عن تمنّي زوال النعمة عن الغير، أو يعلّمانه الحسد بشكل مباشر، فيشب حسوداً حقوداً.

- الرأي الثاني: ذهب إلى أن الحسد فطري في الإنسان، لارتباطه بغريزة حب البقاء التي توجد لدى كل الكائنات.

وعموماً يعتبر الحسد من الفطرة في الإنسان لقول الرسول r :" ثلاث لا ينفك المؤمن منهن: الحسد، والظن، والطيرة" وفي رواية أخرى، قال r : ثلاثة لا يَسلم منهن أحد: الطيرة، والظن، والحسد".

 قيل: فما المخرج منهن يا رسول الله؟

قال : "إذا تطيرت فلا ترجع، وإذا ظننت فلا تحقق، وإذا حسدت فلا تبغ".

          والسبب في الحسد هو حب الإنسان لنفسه وتفضيله لها على غيرها، فهو لا يحب أن يسبقه أحد ممن هُم في درجته وظروفه أو أن يتفوق عليه. كأصحاب الحِرف المتواضعة، أو أصحاب المهن العلمية كالطبابة والهندسة، وحتى العلماء يحسد بعضهم بعضاً على ما يصيبونه من نعم، وكذلك أصحاب السلطان والسياسة.

صور الحسد:

          للحسد صورتان.

- الأولى: هي التي يقف فيها الحاسد عند تمني زوال النعمة عن المحسود فقط، سواء تمنى أن يكون له مثل هذه النعمة أو لم يتمنّ.

- الثانية: هي التي يتجاوز فيها الحاسد حدود التمني إلى القيام بعمل يهدف به إلى إزالة النعمة عن المحسود، أو القضاء عليه لكي يختفي من أمامه، كما فعل قابيل بهابيل، وإخوة يوسف بيوسف. ولا يشترط أن يتمنى الحاسد أن يكون له مثل هذه النعمة أو هي ذاتها.

وهذه الصورة يشدد الإسلام في النهي عنها، وذلك فيما روي عن رسول الله r: "إذا حسدت فلا تبغ". أي: إن وجدت في قلبك شيئاً من كراهة النعمة التي أصابها غيرك وتمنيت زوالها فلا تفعل شيئاً من أجل إزالتها، وإلا تكون قد ارتكبت إثماً عظيماً.

 أسباب الحسد:

          حصر الإمام الغزالي أسباب الحسد في سبعة، هي: العداوة، والتعزز، والكبر، والعُجْبُ، والخوف من فوت المقاصد المحبوبة، وحب الرياسة، وخبث النفس وبخلها.

          - السبب الأول: العداوة والبغضاء، وهما من أشد أسباب الحسد، فالإنسان الذي يصيبه أذى من إنسان آخر تشتغل نفسه نحوه بالعداء والبغض فيحقد عليه ويتمنى أن يزول كل ما لديه من نعم. ويقول الغزالي: إن الحقد يقتضي التشفي والانتقام، فإن عجز الحاسد عن أن يتشفى أحب أن يتشفى منه الزمان. والحسد بسبب البغض ربما يفضي إلى التنازع والتقاتل واستغراق العمر في إزالة النعمة بالحيل.

          - السبب الثاني: التعزز، وهو أن يكره الإنسان أن يترفع عليه غيره ممن هم في مثل مكانته، كأن يكون أستاذاً جامعياً، فيعيّن أحد زملائه وزيراً، أو يكون تاجراً فيعقد زميل له صفقة ضخمة تعود عليه بربح وفير، أو أن يكون عالماً فيحصل زميل له على جائزة مالية ضخمة فيخاف أن يتكبر عليه، ولا يجد حلاً لذلك غير زوال هذه النعمة عنه.

- السبب الثالث: الكبر، ويكون من المتبوع نحو تابعه الذي نال نعمة، فهو يخشى أن يتكبر عليه ويترفع عن متابعته، وربما يتطلع إلى أن يتساوى به، أو إلى أن يرتفع عليه، لذلك يتمنى زوال النعمة التي حصل عليها حتى يبقى خاضعاً له.

          - السبب الرابع: العجب، وهو إعجاب المرء بنفسه، ورفضه أن ينال من هو مثله نعمة كبيرة وهو يظن أنه الأجدر بها، ولذلك فهو يتمنى زوالها عنه حتى لا يتفوق عليه.

          - السبب الخامس: الخوف من فوت المقاصد، كما في حالة التزاحم على هدف واحد، كأن تكون هناك وظيفة واحدة تقدم لشغلها عدد من الناس، فإذا كان لأحدهم ما يرجح كفته على غيره مثل الواسطة أو القرابة بمسؤول أو غير ذلك فإن من يزاحمونه على الوظيفة يتمنون زوال هذه النعمة أو تلك عنه، حتى لا يحظى بالوظيفة دونهم.

          - السبب السادس: حب الرئاسة وطلب الجاه لذاتهما، وليس لاتخاذهما وسيلة لغاية ما، كالشخص الذي يحب أن يكون رئيساً لفئة من الفئات كالأدباء والكتّاب أو الذي يريد أن يكون أميراً للشعراء، أو من يحب أن يوصف بصفة تجعله متميزاً عن كل أقرانه، متفرّداً عن زملائه أو نظرائه، يقدمه الناس عليهم. ومثله لا يحب أن يكون هناك من ينافسه في الرياسة أو يزاحمه في الزعامة، فإن ظهر مثل هذا الشخص حسده وتمنى زوال النعمة عنه، حتى يظل هو الوحيد صاحب المكانة. وأكثر ما يوجد هذا السبب بين الحكام ملوكاً كانوا أو رؤساء.

          - السبب السابع: خبث النفس وشحها بالخير لعباد الله، ويكون في الشخص الذي إذا سمع أن إنساناً ما نال نعمة من الله كره ذلك، وإذا سمع عن اضطراب حال الناس ومعاناتهم وتنغص عيشهم فرح بذلك. فهو أبداً يحب الشر للناس، ويبخل بنعمة الله على عباده، كأنهم يأخذون من ماله. ويقال: البخيل من يبخل بمال نفسه، والشحيح: هو الذي يبخل بمال غيره.

          ويَعتبِر الغزالي هذا السبب من أسباب الحسد الوحيد الفطري الجِبِلّيّ، أما الأسباب الستة الأخرى فيعتبرها مكتسبة.

          ومن الممكن أن يجتمع في الحاسد سبب واحد أو أكثر من الأسباب التي ذُكرت وكلما تجمعت في الحاسد الأسباب المؤدية إلى الحسد كلما كان الحسد شديداً بحيث يتعذر على الحاسد أن يخفيه عن الناس، فلا يلبث أن يُعرف به ويشتهر أمره.

وأكثر ما يكون الحسد بين الأخوة وبني العم والأقارب بعامة فلا يحبون أن يتفوق واحد منهم عليهم، بل يرغبون أشد الرغبة في أن يتساووا جميعاً لما غَلب على ظنهم من أن تفوق البعض من شأنه أن يجعله يتكبر عليهم ويستعلي بالنعمة التي حظى بها، سواء أكانت مالاً أم جاهاً أم سلطاناً أم شهرة فلا يعود الناس يهتمون بهم، بل يتجهون باهتمامهم إلى صاحب النعمة فيتراجعون هم ويقل شأنهم.

          وكذلك يكون الحسد بين الجيران وفي العمل بين الزملاء، فالحسد يكثر بسبب القرب، ويقل بسبب البعد.

عواقب الحسد:

          للحسد عواقب وخيمة، أكثرها يعود على الحاسد. وفي ذلك يقول القرطبي: "والحسد مذموم وصاحبه مغموم"، وفي الحديث الشريف فيما رواه أنس عن النبي r أنه قال: "وهو يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب".

 وقال عبد الله بن مسعود: "لا تعادوا نعم الله". قيل له: "ومن يعادي نعم الله؟" قال: "الذين يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله"، وورد في بعض الكتب القديمة عن الله تبارك وتعالى أنه قال: "الحسود عدوُ نعمتي متسخّط لقضائي غير راض بقسمتي".

 ويقال: "الحسد أول ذنب عُصيَ الله به في السماء، وأول ذنب عُصيَ به في الأرض، فأما في السماء فحسد إبليس لآدم. وأما في الأرض فحسد قابيل لهابيل".

 وقال بعض أهل التفسير في قوله تعالى: } ربنا أرنا الذين أضلانا من الجن والإنس نجعلهما تحت أقدامنا ليكونا من الأسفلين{ [13]. 

          "إنه إنما أراد بالذي من الجن إبليس، والذي من الإنس قابيل، وذلك أن إبليس كان أول من سن الكفر، وقابيل أول من سن القتل، وإنما كان أصل ذلك كله الحسد".

          وقال ابن المقفع: "أقل ما لتارك الحسد في تركه أن يصرف عن نفسه عذاباً ليس بمدرك به حظاً، ولا غائظ به عدواً، فإنّا لم نر ظالماً أشبه بمظلوم من الحاسد، طول أسف، ومحالفة كآبة، وشدة تحرّق... فهو منغص المعيشة، دائم السخط، لا يقنع  بما قسم له... والمحسود يتقلب في فضل الله مباشراً للسرور، منتفعاً به، ممهلاً فيه إلى مدة، ولا يقدر الناس لها على قطع أو انتقاص".

          ومما قال القرطبي رحمه الله تعالى: "قال العلماء: الحاسد لا يضر إلا إذا ظهر حسده بفعل أو قول، وذلك بأن يحمله الحسد على إيقاع الشر بالمحسود، فيتبع مساوئه ويطلب عثراته".

          وقال بعض الحكماء: "بارَزَ الحاسد ربه من خمسة أوجه:

- الأول: أنه أبغض كل نعمة ظهرت على غيره.

- الثاني: أنه ساخط لقسمة ربه، كأنه يقول: لم قسمت هذه القسمة؟

- الثالث: أنه ضادّ فعل الله، أي إن فضل الله يؤتيه من يشاء، وهو يبخل بفضل الله.

- الرابع: أنه خذل أولياء الله، أو يريد خذلانهم وزوال النعمة عنهم.

- الخامس: أنه أعان عدوه إبليس".

وقيل: "الحاسد لا ينال في المجالس إلا ندامة، ولا ينال عند الملائكة إلا لعنة وبغضاء، ولا ينال في الخلوة إلا جزعاً وغماً، ولا ينال من الله إلا بُعداً ومَقتاً".

وروي أن النبي r  قال: "ثلاثة لا يستجاب دعاؤهم: آكل الحرام، ومُكثر الغيبة، ومن كان في قلبه غل أو حسد للمسلمين". والله سبحانه وتعالى أعلم.

          كذلك فإنه لا يمنع الناس من اتباع الحق بعد ظهوره مثل الحسد والكِبَر، فالحسود يؤثر هلاك نفسه على انقيادها لمن يحسده، لأن الحسد يفسد الطباع. ولقد أسند الله تعالى في سورة البقرة الحسد إلى اليهود، لأنهم وقد سلبت منهم النبوة يتمنون عودتها إليهم، وقد كبر عليهم أن تسبقهم العرب إلى ذلك، لذلك فإنه لم يؤمن بالإسلام إلا نفر قليل من اليهود.

 ولا يزال اليهود يحسدون المسلمين ويعملون جاهدين من أجل زوال نعمة الإسلام عنهم، باعتبار أنه القوة التي تحركهم، وذلك بأن يفسدوا دينهم بشتى الوسائل ومن بينها الجنس والمخدرات والعقائد الفاسدة، ويستغلون ضعف الحكام وتهاونهم وحرصهم على الدنيا.

          وإذا كان الإسلام لم يَعتد في الحسد إلا بما كان مقترناً أو مصحوباً بفعل يقصد به الحاسد زوال النعمة عن المحسود أو زوال المحسود ذاته، فإنه إنما فعل ذلك حتى لا يَترك الناس يتهم بعضهم بعضاً بالحسد دون دليل غير الظن الذي لا يغني عن الحق شيئاً، ومن ثم تسوء العلاقات بينهم، وتتغير مشاعرهم نحو بعضهم من المودة إلى البغض والكراهية، ومن الثقة إلى الشك والريبة. وهو ما نلاحظه الآن حيث جرت عادة الناس على اتهام بعضهم بالحسد، حتى ولو لم يكن هناك ما يدل عليه من أفعال أو أقوال صدرت عمن يتهمونهم به.

صحيح أن الحسد فطري يرتبط بغريزة حب البقاء والمبالغة في حب الإنسان لنفسه، وهو ما يوصف بالـ" أنانية". ويوجد في الغالب بين الأقران والمتماثلين، وإن وجد بين غيرهم فإنما يرجع ذلك إلى عدم قيام القادرين بما فرضه الله تعالى عليهم نحو غير القادرين.

أثر شيوع الاعتقاد في الحسد على السلوك والعلاقات:

          يلاحظ شيوع الاعتقاد في الحسد على نطاق واسع مؤخراً، حتى أصبح كثير من الناس لا يترددون في نسبة كثير مما يقع لهم- أو لغيرهم- من أحداث مؤسفة إلى الحسد، حتى الإصابة بالمرض والطلاق وفسخ الخطبة والرسوب في الدراسة وغير ذلك. مما أدى إلى عدم أخذهم بالأسباب والعمل على تلافي الأخطاء، فبدلاً من أن يبحثوا عن السبب، فإنهم يوجهون كل اهتمامهم إلى من يعتقدون أنهم تسببوا في كل ذلك بحسدهم.

          ولتلافي الحسد يعمد بعض الناس إلى استخدام الخرز الأزرق في الحلي وما شابه، بالإضافة إلى النماذج الذهبية من القرآن الكريم أو من سورة الفلق أو بعض الآيات التي تشتمل على كلمة الحسد، أو على شكل عين تتوسطها أحجار كريمة زرقاء اللون كالفيروز مثلاً.

          وللتعرف على الحاسد وتميزه عن غيره تشيع بين الناس اعتقادات غريبة منها أن الحاسد أصفر العينين أو أزرقهما أو أن عينيه مدورتان، أو أن له طريقة معينة في النظر إلى الناس والأشياء، أو غير ذلك من الصفات، أو أشكال السلوك، كأن لا يبدأ كلامه بالصلاة على رسول الله r أو أنه لا يدعو للشخص بدوام النعم، ولا يتمنى له أن يبارك له الله فيها.

          كذلك فإنهم يربطون بين الفضول والحسد، فالحاسد يسأل ويتحرى عن كل جديد حظى به الآخرون، وما ذلك إلا لكي يحسدهم عليه!

          وهناك حكايات كثيرة تُروى عن الأثر السريع والمباشر للحسد تؤكد وجود علاقة سببية بينه وبين النتائج التي قد تكون مرضاً أو إصابة أو حادثة أو خسارة مالية أو غير ذلك، بحيث يتعذر على من يستمع إليها أن يشكك في أنه كان للحسد دور في حدوثها.

ومعنى ذلك أن ما يحدث الآن عند البعض من افتراض أن الناس تحسدهم على ما منحهم الله من نعم ويتمنون زوالها عنهم، ثم تصرّفهم على النحو الذي ذكِر، هو من الأخطاء الجسيمة التي يرتكبونها في حق أنفسهم وفي حق الناس، والتي تسيء إلى التضامن الاجتماعي والتعاون بين المسلمين، وإلى الأخوّة وعدم الثقة.

كذلك فإنه لا يصح نسبة الحسد إلى أحد إلا إذا كان قد صدر عنه فعل أو قول يصلحان دليلاً على حسده. وليس من المعقول أن يكون الحسد سبباً في الإصابة بالصداع لمجرد صدور عبارة من شخص ما يبدي فيها إعجابه بشخص آخر. وكذلك آلام الظهر والمفاصل والأسنان، ناهيك عن الخلافات الأسرية[14].

سلبيات الحسد:

يظن بعض الناس أن المحسود يصيبه ضرر من جراء الحسد، والحق أن أغلب القصص التي رويت لتؤكد هذا الاعتقاد موضوعة، والصحيح منها ما هو من قبيل الصدفة البحتة، وكثير من أصحاب هذا الاعتقاد يستندون في تأييد رأيهم إلى ما جاء به القرآن في سورة الفلق... لقد جاء القرآن بالحسد صريحاً، فهو يقول استعيذوا بالله ...لا من الحاسد نفسه بل من شره... وليس من شره فقط، بل من شره إذا حسد، فكأن الحاسد ليس منه ضرر إلا إذا عمد إلى الشر وكان في حسده إيجابياً ..أما الاستعاذة لحفظ الله وذب الشر عنه فهي مطلوبة في الأمور كلها.. ويجب على المسلم أن يصون نفسه بذكر الله تعالى.

الطريقة لاتقاء الحسد:

          دلنا الباري تعالى على الطريقة التي نتقي بها الحسد وهي:

 الزكاة، والصدقة، والإحسان إلى الناس، وتقديم العون لهم. وليس اكتناز المال أو التباهي به واستفزاز الفقراء بأشكال من الإنفاق الترفي والتبذير والإسراف في الطعام والملبس والمسكن ومختلف صور الوجاهة الاجتماعية، والمظهرية الكاذبة، ثم الشكوى من الحسد والحاسدين.

وهناك طريقة أخرى طريفة لاتقاء الحسد وهي حب الناس الذين يجلبون الخير للناس، وفي ذلك قال رجل لعمر بن عبد العزيز: إنه كان يقال إن استطعت أن تكون عالماً فكن عالماً، فإن لم تستطع أن تكون عالماً فكن متعلماً، فإن لم تستطع أن تكون متعلماً فأحبهم فإن لم تستطع فلا تبغضهم. فقال : سبحان الله لقد جعل الله لنا مخرجاً[15].

الاستعاذة من الحسد:

          ذكر في السنن عن عبد الله بن حبيب قال:

 قال رسول الله r : قل.

قلت: يا رسول الله ما أقول؟

 قال: قل: قل هو الله أحد والمعوذتين حين تمسي وحين تصبح ثلاث مرات، وتكفيك من كل شيء ". قال الترمذي: حديث حسن صحيح. والمعوذتان سورتا: الفلق والناس.

          وذكر في سنن الترمذي عن أبي هريرة أن النبي r كان يعلم أصحابه ويقول: إذا أصبح أحدكم فليقل:" اللهم بك أصبحنا، وبك أمسينا، وبك نحيا، وبك نموت، وإليك النشور، وإذا أمسى فليقل: اللهم بك أمسينا، وبك أصبحنا، وبك نحيا وبك نموت وإليك المصير".

وفي سنن الترمذي أيضاً عن عثمان بن عفان أنه قال: قال رسول الله r : "ما من عبد يقول في صباح كل يوم ومساء كل ليلة: بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم ثلاث مرات فلا يضره شيء".

          وفيه أيضاً عن ثوبان وغيره أن رسول الله e قال :" من قال حين يمسي وإذا أصبح: رضيت بالله رباً ، وبالإسلام ديناً، وبمحمد نبياً ورسولاً، كان حقاً على الله أن يرضيه".

ما يقال لحفظ النعم وعند فقدها:

          قال الله سبحانه وتعالى في قصة الرجلين:} ولولا إذ دخلت جنّتك قلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله{.

فينبغي لمن دخل بستانه أو داره، أو رأى في ماله وأهله ما يعجبه أن يبادر إلى هذه الكلمة فإنه لا يرى في شيء منها سوءاً.

          وعن أنس قال: قال رسول الله e : "ما أنعم الله على عبد نعمة في أهل ومال وولد فقال: ما شاء الله  لا قوة إلا بالله ، فيرى فيها آفة دون الموت".

وعنه e أنه كان إذا رأى ما يسره قال:" الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات". وإذا رأى ما يسوؤه قال: "الحمد لله على كل حال".

          وفي الختام نذكر ما جاء في مسند الإمام أحمد وسنن النسائي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: كان دعاء النبي e :"رب أعني ولا تعن عليّ ، وانصرني ولا تنصر عليّ، وأمكر لي ولا تمكر عليّ، وانصرني على من بغى عليّ، رب اجعلني شكّاراً لك، ذكّاراً رهّاباً، مخبتاً إليك أوّاهاً منيباً، رب تقبّل توبتي ، واغسل حوبتي ، وأجب دعوتي، وثبت حجتي، واهد قلبي، وسدد لساني واسلل سخيمة قلبي".


وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.


بقلم د. حنان قرقوتي

--------------------------------------------------------------------------------------------
[1]  الغزالي إحياء علوم الدين ، ج3،  ص 186.
[2]  متفق عليه.
[3]  رواه ابن ماجة.
[4]  سورة النساء، الآية 54.
[5]  المطففون، الآية 26.
[6]  سورة البقرة، آية 109.
[7]  سورة النساء، آية  54.
[8]  سورة الفلق، آية 5.
[9]  سورة الفلق، الاية 2.
[10]  سورة المائدة، آية 27 .
[11]  سورة يوسف، آية 8.
[12]  سورة آل عمران، آية 120.
[13]  سورة فصلت، الآية 29.
[14]  د. أحمد علي المجدوب، المعالجة القرآنية للجريمة، ص 31- 47، الدار المصرية اللبنانية، القاهرة- مصر، ط1، 1998م..
[15]  إبراهيم محمد الجمل، الحسد وكيف نتقه، ص 118، مكتبة القرآن، القاهرة- مصر، ل.ت..

تعليقات حول الموضوع
اضافة تعليق جديد

      مقال المشرف

    إذا ارتاح الوالد.. تعب الولد

    "إذا ارتاح الوالد تعب الولد، وإذا تعب الوالد ارتاح الولد"، سمعت هذه العبارة من بعض كبار السن كثيرًا، وقد تجد أحدهم يبني عليها مواقف حياتية كبرى، بل يحكيها ب

      استطلاع الرأي

    هل تؤيد فعالية الأستشارة الاليكترونية في حل المشكلات؟
  1. نعم
  2. أحياناً
  3. لا
    • المراسلات