مَعَ أَحْسَـــــنِ الحَــــــدِيث : رَصِيدُ القِيَم في رِحَـابِ القُـرْآنِ المَجِيد
تربويّات إيمانيّة

مَعَ أَحْسَـــــنِ الحَــــــدِيث : رَصِيدُ القِيَم في رِحَـابِ القُـرْآنِ المَجِيد
 


نتيجة بحث الصور عن أحسن الحديث


الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله، وبعد: فإنّ كتاب الله تعالى بابٌ من أبواب الأمان والرخاء والاستقرار، والمتأمّل في كلامه سبحانه لنبيه المصطفى : {مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى}يكتشف قيمة القرآن في العطاء وتحقيق الخير والرشاد للفرد والمجتمع، وما القرآن إلا رحمة من رحمات الله بعباده.
إنّه أحسن الحديث كما قال الله : {الله نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ الله ذَلِكَ هُدَى الله يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ الله فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} [الزمر: 23] هو وسيلة لزيادة الإيمان وترقية القلب، قال عزّ وجلّ: {وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا} [الأنفال: 2]... ولم لا يكون القرآن أحسن الحديث؟!! وهو المنهاج الذي وضعه الله لعباده؛ يهتدوا بهديه، يبين لهم ما أشكل عليهم، يحفِّز الهمم ويقود إلى الحق...
إنَّه لمن الشرف أن نتحدث اليوم عن أثر دستورنا الإسلامي (القرآن الكريم) في واقع حياتنا (إيمانيا وإنسانيا).. شرف وسعادة؛ أن نخرج أنفسنا قليلا من أسْر الحياة وهمومها لنتأمل في روشتة العلاج الربانية لنا..

نتأمّل في كتاب أُحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير، لا تعارض فيه مع دين ولا دنيا، لا تعارض فيه بين حاجة الجسد وحاجة الروح، تتوافق آياته وأحكامه مع متطلبات العقل كما تتوافق مع احتياجات العاطفة..
فيه أخبار الماضيين، وأحوال الحاضرين، وغيبيات المستقبل... فيه منهجيات الإصلاح باختلاف أنواعه (إيمانيا واقتصاديا وسياسيا وأخلاقيا وإنسانيا)... به يكون المخرج من الفتن والابتلاءات، وله فضله وشرفه العظيم؛ فبه ترتفع قيمة العبد، فأهله أهل الله وخاصته، وانظر كيف تكون من أهل الله الملك وخاصته! وبه يحوز الإنسان شرف الدنيا والآخرة، هو شفيع العبد الصالح يوم القيامة..
إنه كتاب يهدينا لأقوم حياة؛ قال جل شأنه: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} [الإسراء: 9] يقرر المفَسِّرُون أن به الحياة الأرقى والأنقى؛ حيث لا يقع ظلم بسببه على أحد، ولو جعل البعض بعض نصوصه سببا في شقاء الخلق بتأويل سيء أو بتحريف أو جهالة... وكم قصّرنا في حق هذا الكتاب!

انظروا إليه: إنه قرآنٌ يهدي الأحياء، ها قد حوّلته الأُمّة إلى كتاب مناسبات وكتاب أموات!! فيا للعجب!! يا للعجب من حال أُمّة تحوّلت من نور القرآن إلى ظلام الغربة، تحوّلت من التقدم إلى التأخر ومعها أفضل كتاب يدعوها للعلم والعمل والتقدم والحضارة والرقي في كل مجال من مجالات الحياة.. قراءته عبادة، وتدبره عباده، والعمل به أشد تعبدًا لله. إنّ أقرب طريق إلى الله هو كلامه عز وجل؛ فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يَقُولُ الرَّبُّ عَزَّ وَجَلَّ: مَنْ شَغَلَهُ الْقُرْآنُ عَنْ ذِكْرِي وَمَسْأَلَتِي أَعْطَيْتُهُ أَفْضَلَ مَا أُعْطِي السَّائِلِينَ ، وَفَضْلُ كَلاَمِ اللهِ عَلَى سَائِرِ الكَلاَمِ كَفَضْلِ اللهِ عَلَى خَلْقِهِ) (رواه الترمذي). وهذا الخباب بن اﻷرَتّ : (تقرَّب إلى الله ما استطعت؛ فإنك لن تتقرب إلى الله بشيء أحبَّ إليه من كلامه)..

وقفة مع المعجزة الخالدة:
القرآن -أيها المسلمون والمسلمات- كتاب الله الخالد، ومعجزة نبيه الكبرى، وأداة التحدي العظمى في تاريخ البشرية؛ فإذا كان العرب قد برعوا في بلاغتهم ولغتهم، فقد جاءهم الرسول بكلمات وآيات معجزات؛ فقال المولى في شأن ذلك: {قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا} [الإسراء: 88] وحين سمعه عقلاء القوم أقروا بعظمته، كما صرح بذلك عتبة بن ربيعة (أبو الوليد) حين فاوض النبي في بداية دعوته وعاد إلى قومه بوجه غير الوجه الذي ذهب به؛ لبعض آيات سمعها من سورة فصلت، مفتتحها تعجيز للمشركين، مع إقرار حكيم من المولى الكريم بأنه تنزيله وأنه كلامه عز وجل ... ولذا عاد الرجل يؤكد على بلاغة القرآن بكلماته العذبة وأنه يمتلك حلاوة لا يمتلكها كتاب سواه...

ولا تعجب من عجب الجنّ حين سمعته فأقرت قائلة: {إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا * يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ}  وأعلنوا لقومهم -كما حكى القرآن الكريم-: {وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَـرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِـيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ * قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ * يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ}....... لكنّ العجب من أناس يقرءون في كتاب ربهم أن القرآن لو نزل على جبل لخرّ ساجدًا لله تعالى، قال : {لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ الله} [الحشـر: 21] ثم تراهم لا صلة لهم بكتاب ربّهم، تراهم وقد انقطعت صلتهم برسالة السماء إلى الأرض، تراهم وقد صار بينهم وبين كتاب الله غُربة.

فلم تعُد الأمّة ترى كتابها إلا بروازا على جدار، أو آية مزخرفة في مسجد أو بيت، أو سبيل تحصين للأطفال من الحسد، أو تؤمِّن به السيارة من الحوادث... !!! فصار كتاب طلاسم وترانيم كغير المسلمين لا يفهمون مراده ولا أسراره -إلا من رحم ربي- لذا كان لزامًا أن نتفكّر: كيف نحيا بالقرآن الكريم؟ وكيف نعيد مجد المسلمين بالقرآن؟
فتعالوْا بنا -أيها الأحباب- لنقف قليلاً مع آثار القرآن الكريم في حياتنا اليوم، نتعرّف على منهجية القرآن في إصلاح الفرد والمجتمع.
ولنسأل سؤالا في غاية الأهمية يكشف لنا -بجلاء- ماذا لو حكّمنا القرآن في حياتنا إيمانيًّا وسلوكيًّا؟ وللجواب: اسمحوا لي نسأل الأجيال السابقة في حياة أمّتنا: ماذا حدث معكم حين حكّمتم القرآن وجعلتموه لكم منهجًا ودستورًا في حياتكم؟ سيأتيك الجواب: حين كان القرآن دستورًا لحياتنا: تحوّلنا من الذلة إلى العزّة، ومن الجهل إلى العلم، ومن الشدَّة إلى اللين، انتصـرنا على أنفسنا، تآلفت قلوبنا، وتوحّدت صفوفنا، فهزمنا أعداءنا، وتقدّمت أمّتنا بنا وبجهودنا،.... وسُدنا العالَم كله بأخلاق القرآن الكريم، ودانت البشـرية لحضارة المسلمين.. وما ذاك إلا لأنّ الرسول القدوة  كان خُلُقُه القرآن -كما وصفته أمّ المؤمنين عائشة رضي الله عنها-..
لقد صنع القرآن الكريم هؤلاء الأبطال وأولائك القادة الفاتحين والعظماء؛ ارتفعوا بالقرآن، وحققوا أكبر الانتصارات بكتاب ربّهم .
ولا شكّ -أيها الأحباب- أنّ كثيرًا من خطبائنا سيتحدثون عن واجبنا نحو القرآن من القراءة والتأمّل في آياته والعمل بما في سوره وصفحاته.. وقيمة الوعظ بذلك من الأهمية بمكان؛ حيث يقرّر شيخنا الغزالي -رحمه الله-: (لا تُسَمَّى خطابة إسلامية هذه الكلمات الميتة التي يسمعها الناس في بعض المساجد ثم يخرجون وهم لا يدرون ماذا قال خطيبهم؛ لأنه لم يَصِل أحدًا منهم بروح القرآن، ولا أنعش قلبًا بمعانيه، ولا علَّق بصرًا بأغراضه).. وما أحوج الأمة اليوم إلى أن تخرج من مجرد القراءة الجافة إلى أن تحلّ حلاله وتحرّم حرامه، وأن تعمل بما ورد فيه من أوامر وتوجيهات، مع التحذير من مغبّة مخالفة أمره، قال ابن مسعود : (والذي نفسي بيده إن حق تلاوته أن يحل حلاله ويحرم حرامه ويقرأه كما أنزله الله ولا يحرف الكلم عن مواضعه ولا يتأوَّل منه شيئاً على غير تأويله).

رصيد القِيَم في رحاب القرآن:
لقد امتلأت سور القرآن الكريم بالعديد من القِيَم وتعددت أنواعها من إيمانية وأخلاقية وتربوية.. إلى غير ذلك.. قيمٌ نحتاج إليها للتنفيذ والاتباع، فمن عمل وطبّق فاز وسعد، ومن أعرض فله المعيشة التعيسة، قال تعالى: {فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُـرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى} [طه: 123، 124]. فاتباعه سعادة وهداية، والإعراض عنه شقاء وتعاسة...

قال الإمام ابن كثير -رحمه الله- في بيان حال من هجر القرآن: (في الدنيا فلا طمأنينة له، ولا انشـراح لصدره، ضيق حرج لضلاله، وإن تنعم ظاهره، ولبس ما شاء، وأكل ما شاء، وسكن حيث شاء فإن قلبه ما لم يخلص إلى اليقين والهدى فهو في قلق وحيرة وشك فلا يزال في ريبه يتردد فهذا من ضنك المعيشة….)... نسأل الله السلامة والعافية..
فما أحوجنا إلى قيم القرآن المجيد في زمنٍ كثُرت في حظوظ النفس وشهواتها، وتعدّدت فيه منافذ الشياطين إنسًا وجِنًّا... في زمنٍ تعقّدت مشكلاته، باتَ يأكل القويّ فيه حقّ الضعيف، ويظلم الأخُ أخاه، وربّما يمنع عنه الطعام والشـراب والدواء... في زمنٍ طغت فيه الماديات.. في زمنٍ أصاب أُمَّتَنَا فيه لوثاتُ الإلحادِ والقطيعةِ مع الدِّين. في زمنٍ صار اهتمامنا وانشغالنا بالفيس بوك والواتس ووسائل التكنولوجيا الحديث -ربما- أكثر من انشغالنا وتواصلنا مع الكتاب الذي أنار الله به وجودَه بعدَ ظُلْمة وضلال وجاهلية.
فهلمُّوا أيها الإخوة لنتذاكر بعض تلك القيم التي أختصـرها في ست قيم أساسية، بل قل ستة أرصدة تستطيع أن تعيد للأمّة مجدها، وترفع رايتها من جديد، ما أحوجنا إليها في زماننا اليوم،،،، وهي على النحو التالي:
أولا: رصيد الإيمان واليقين:
حين تُطالِع الكتاب الأغرّ تكاد تلحظ أنه لا تمر بك سورة إلا وهي تركّز على رصيد التوحيد والعبادة والقرب من الله تعالى، وتصحيح العقيدة، فمثلا تجده عزّ وجلّ يشير إشارات إجمالية وتفصيلية في كتابه -بين الحين والآخر-، ففي مثل قوله تعالى:  {هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ} [يونس: 22] دلالة واضحة على عقيدة الإيمان التي تملأ الفطرة الإنسانية..
كما أنّ مِن أجمل ما يقدّمه القرآن للمؤمن -وكل ما يقدّمه جميل ورائع- أنه يعمل على إيقاظ قلبه بالإيمان، فتجده يوجِّهه إلى اليقين بقدرة الله تعالى، ويزيده ثقة في عظمته وأملاً في نصره وتحقق وعدِه؛ فلا بأس يبقى مع الأُنس به، ولا شقاء في الصلة به، ولا هزيمة مع قوته، هكذا يصنع القرآنُ الإيمانَ في القلوب!!

فلا بدّ من بث الأمل، وتثقيف الناس جميعًا بأن من وراء الشدة يأتي الفرَج القريب، وأنّ مع العُسْر يأتي اليُسْر، وتلك هي رسالة كل الأنبياء والرسل، وصدق الله إذ يقول: {وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ} [يوسف: 87]..
والقرآن ربيع أهل الإيمان، يسقيهم أمانًا وطمأنينة، وهو أفضل الذّكر، وصدق الله إذ يقول: {الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} [الرعد: 28].. ويقول مالك بن دينار -رحمه الله: (ما زرع القرآن في قلوبكم يا أهل القرآن؟ إن القرآن ربيع المؤمن كما أن الغيث ربيع الأرض)، وهذا ما أكّده قبله ابن مسعود ؛ حيث قال لكل صاحب قلب: (إِذَا أردت أن تجدَ قلبك فابحث عنه في ثلاثة مواطن: عند سماع القرآن، ومجالس الذكر، وفي مواطن الخلوة، فإن لم تجد قلبك فسل الله أن يمنّ عليك بقلب؛ فإنّك بغير قلب) يا لحسرةَ مَن لم يستيقظ فؤادُه معَ القرآن! يا حسـرةً على مَن لم يَزْدد إيمانه بكلمات ربّه!!

ورسالة إلى كل من اهتزّ إيمانه: كتاب الله يقودك إلى الأمل فلا تبتئس ولا تيأسنّ أبدًا، وانظر معي إلى ما قاله ربُّنا عزّ وجلّ لنبيه موسى وهو في مصر -حفظها الله-: {وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْـرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} [يونس: 87] فأمره ربُّه ببث الأمان بجعل بيوت المصريين قِبْلةً لمن أراد الأمان، وأمره كذلك ببثّ البُشْرى والأمل..
وحديث القرآن عن رصيد الإيمان هو حديث واقعي جذّاب يناقش الإيمان الحقيقي لا المغشوش والمزيّف، ويؤكّد على سمت الإيمان الذي يتم ترجمته سلوكيا في الأخلاق والقيم فيما يتعلق بالفرد أو يتعلق بالمجتمع، بل إنك لترى الرابط العجيب بين الإيمان والأخلاق والقيم في حديث مشهور (متفق عليه): (مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلاَ يُؤْذِ جَارَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِالله وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ)..

ثانيًا: رصيد البناء والعمران ( إتقان العمل):
لقد جاءت الآيات الحكيمة في كتاب الله تعالى لتؤكّد على أنّ رصيد الإيمان الخالي من رصيد العملِ والإتقان دعوى فارغة لا محلّ لها من الإعراب؛ فحين دعا بعض الأعراب أنهم آمنوا أنكر الله عليهم هذا الإيمان الفارغ الذي لم يتبعه عمل وإتقان وجهاد وبذل وتضحية، وأكّد على أنّ المؤمنين حقًّا هم من بذلوا، قال عزّ شأنه: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِالله وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ الله أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ) وما من موضع في القرآن يتحدث عن الإيمان إلا ويرافقه العمل إما قبل وإما بعد، كما في قوله جلّ وعزّ: (إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات) وثواب العبد في الدنيا والآخرة على عمله وليس على مجرد قول الإيمان..
ويقول المولى الكريم : {وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [التوبة: 105]. إنه أَمْرٌ مباشر بالعمل لا بالتبطل والكسل..

وأمَّا توجيه القرآن إلى العُمْران؛ فلأنه مقصد من مقاصد الخلق والإيجاد، قال تعالى: {هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا} ويقول جلّ شأنه:  {وَلا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا}.. فالمؤمن الحق هو الذي يأخذ بتوجيه القرآن فلا يتحرّك حركة ولا يتوقف عن فعل إلا وهو يعلم أن في ذلك بناء لا هدمًا وتعميرًا لا تخريبًا.. 
والنّاظر في القرآن المجيد يكتشف أنّ الإسلام قد اهتمّ بالبذل والعطاء للبشرية والمجتمعات، وحفّز الهِمَم نحو الإنتاج والتنمية بكافة نواحيها، لا سيّما: التنمية الاقتصادية، القائمة على الاستثمار، استثمار الجهود، والطاقات، والأموال، والمادّة الخام، كما حدث في نموذج ذي القرنين حين أتى قومًا سلبيين لا يعملون ولا يتحرّكون، فحرّك هممهم، ووظّف طاقاتهم، وعلّمهم أنّ بالتعاون والتشارك تُبْنى الأُمم وتحصّن من أيّ عدوّ غاشم، فبنَى السدّ بينهم وبين يأجوج ومأجوج..
وكم في هذه القصة من الدروس والعبر، ففيها: (حُسْن استخدام الإمكانات المُتاحَة، وحُسْن توظيف الطاقات البشرية قبل الماديّة، وضرورة وجود إدارة متعاونة لا مستبدّة، والعمل على إيجاد فرصة للتعبير والتحرّك للمصلحة العامّة....الخ). ويبقى العمل مع الإنسان إلى آخر لحظة في حياته: ففي مسند أحمد، -وهو حديث صحيح على شرط مسلم-، وفيه: «إِنْ قَامَتِ السَّاعَةُ وَبِيَدِ أَحَدِكُمْ فَسِيلَةٌ، فَإِنْ اسْتَطَاعَ أَنْ لَا يَقُومَ حَتَّى يَغْرِسَهَا فَلْيَفْعَلْ».

فمهما كانت ظروف الدنيا فلا أقلّ من العمل والعطاء والبذل والاجتهاد.
إنها دعوة لحُسْن استغلال كل الموادّ الخام وتوظيفها بطريقة ترفع قدر الأُمّة والمجتمع الإسلامي، وكما يقول الشيخ الغزالي -رحمه الله-: «الناس رجلان: رجل نام في النور، ورجل استيقظ في الظلام!!». وهو نموذج لمن استغلّ كل ما تحت يديه، وآخر نام في النور الذي يملكه.
ثالثًا: رصيد العلم والتعلّم: 
لقد أثنى القرآن الكريم على قيمة العلم وجعلها رسالة التحضر للأمّة ولشعوب الأرض، وكانت أول كلمات الكتاب المجيد -كما تعلمون- (اقـــــــــــــــــــــــرأ) وفي تلك الكلمة تُختصـر رسالة الإسلام على أنها رسالة العلم والتعلّم، وأنها رسالةٌ تتوافق مع أبجديات الدّين والحياة على السواء....
ومعلوم حجم الاهتمام القرآني والنبوي بقضية العِلم، حتى جعلَهُ النبي  سببًا لتحرير الأسير في يوم بدر، وجعله سببًا لتمييز إمام على غيره عند إمامة الصلاة.
يقول الشافعي -رحمه الله-: (كنت يتيماً في حجر أمي فدفعتني إلى الكُتّاب -أي حِلَق القرآن- ولم يكن عندها ما تعطي المُعَلِّم فكانت تقول: اطلُب العلم وأنا أكفيك بمغزلي هذا).
فاعلموا يقينًا -أيها الإخوة- أنه لا يُمَكِّنُ الله تعالى لأمّة الجهل!! فالعِلم قوّة عظمى!! وانظر إلى الدول المتقدّمة اليوم: لم تتقدّم بالشعارات ولا الخطب؛ بل بالعلم والاهتمام بالإنجازات العلمية التي تقود إلى التقدّم والسيطرة وتضمن لها المنافسة.
فلم لا نتوجه إلى العلم، ونصب اهتمامنا بإخراج جيل متميز وفائق علميا في مجالي الدين والدنيا معًا؛ لا سيما وأمم الأرض اليوم تتنافس على تبوء أعلى الأماكن علميا؛ لأنهم أدركوا أنّ قيمة الدول حقيقة فيما تحسنه في باب الأبحاث والتقدّم العلميّ، يقول القائل:
بالعلم والمال يبني الناس ملكهم ***  لم يبن ملك على جهل وإقلال
كفاني ثراء أنني غير جاهِــلٍ ***  وأكثر أرباب الغِنى اليومَ جُهّال


رابعًا: رصيد الوحدة والأخوة:
فحين تجتمع وحدة الأمة تنتصر وتتقدّم!!
وحين تفترق عُراها تشتتت وتتمزّق ويتسلّط عليها أعداؤها ويلعبون بها الكُرة!!
والمجتمع الذي يتمزّق فيه عُرى الأخوة والوحدة يكون عُرْضَةً للعنف والشتات والتدخل الخارجيّ؛ فلا بدّ من وحدة الصفّ بين أبناء المجتمع الواحد كما فعل النبيّ صلى الله عليه وسلّم في أوّل مَقْدِمِهِ إلى المدينة الطيبة؛ آخى بين المسلم والمسلم أخوة إنسانية ووطنية وإسلامية، كما آخى بين المسلم وغير المسلم أخوة إنسانية ووطنيّة، فاستطاع أن يحفظ الوطن في أوّل عهد تأسيسه..
وها هو أحسن الحديث يؤكد على قيمة الاعتصام والوحدة والأخوة، يقول الله تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا} [آل عمران: 103]، وقال سبحانه: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الأنفال: 46].

والنبي صلى الله عليه وسلّم يقول –كما ثبت في صحيح مسلم من حديث النُّعمان-: «مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ، وَتَرَاحُمِهِمْ، وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى».. 
فكونوا جميعًا إذا اعترى **** خطبٌ ولا تتفرّقوا آحادًا
تأبى الرّماح إذا اجتمعن تكسّرًا **** وإذا تفرّقت تكسّرت أفرادًا..
وفي سبيلِ تحقيقِ هذه الوحدة وتلك الأخوّة أعدّ النبيّ دستورًا ووثيقة تعمل على حماية المواطنين جميعًا مسلمًا وغير مسلم. فليتفق الناس على القواسم المشتركة، ويتعاونوا من خلالها، وإن اختلفوا في أمور أخرى..

خامسًا: رصيد العدل ونصرة المظلوم:
فالعدل بابٌ من أبواب العزّ والمنعة والقوة للأُمّة.. وإذا ضاع العدل ضاعت كل القيم، حتى قِيَم الإيمان والأمان، قال تعالى: {وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ}
ولقد قصّ علينا القرآن المجيد قصصا لأمم انكسرت وانهزمت واندثرت لما شاع ظلمها وكثُر، قال تعالى: «وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَـاهُمْ لما ظلموا»، فبِالعَدْل قامت السماء، وإنما قامت دولة الإسلام الأولى في رحاب المدينة المنورة يوم أن كان شعار قائدها (لو سرقت فاطمة بنت محمد لقطع محمد يدها).. يقول الرسول  هذه الكلمات وهو أبو فاطمة، ورئيس الدولة وزعيمها.
عندما تساوى الناس وعادت الحقوق للمظلومين والمقهورين انتصرت الأمة وكُتِب لها القوة والتمكين، ، وقد ثبت في حديث ابن ماجه في سننه:  (لَا قُدِّسَتْ أُمَّةٌ لَا يَأْخُذُ الضَّعِيفُ فِيهَا حَقَّهُ غَيْرَ مُتَعْتَعٍ) أي: من غير أن يصيبه أذى يُقلقه ويزعجه.
ويحدّثنا التاريخُ عن أنباء أمم ودول طغى فيها الظلم المادي والمعنوي، فاستحقت الاندثار والانهزام، وسنة الله تعالى في كونه لا تحابي أحدًا.. ومجرّد نسبة الإنسان أو الأُمّة للرسول لا تعفيها من عقوبة ونتيجة الظلم؛ فمن أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه..
وفي القرآن الكريم ما يعين على رصيد العدل ونصـرة المظلوم؛ فوقفة مؤمن آل فرعون في وجه فرعون الطاغية، ووقفة مؤمن سورة يس أمام العصاة دليل همّة لنصرة المظلومين، فالمسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه ولا يخذله..
سادسًا: رصيد الإيجابية والهمّة العالية:
القرآن الكريم كتاب كله إيجابية وهمّة عالية، يبين ملامحها في علاقتك بالله، وبنفسك، وبالناس من حولك، بل حتى بالحيوانات والجمادات.. وقد جاءت الأوامر المباشرة لعباد الله المؤمنين {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} وهذه أعلى قيمة في الإيجابية أن تكون سببًا في نشر الخير ومنع الشر عن المجتمع كله..
ولذا كان توجيه الرسول  للعبد المؤمن إن وجد الدنيا تنتهي وبيده فسيلة صغيرة يستطيع أن يزرعها قبل قيام الساعة فلا يتأخر ولا يتكاسل أو يتهاون؛ ففي الحديث -كما سبق-: «إِنْ قَامَتِ القيامة وَبِيَدِ أَحَدِكُمْ فَسِيلة فليغرسها»..
وتلك الإيجابية في القرآن شملت العلاقات والاهتمامات والهوايات والقدوات والقناعات، إيجابية شاملة تجعل المسلم أقرب إلى ربّه، مستشعرًا عِظَم مسئوليته، مستعدًّا للمواجهة مع الشدائد؛ غير متردِّد..
وانظر معي إلى تلك النماذج التي قصّها علينا القرآن الكريم:
* نبي الله زكريا  لم تكن زوجه تحمل أو تُنجب، غير أنّ الله  قد منحهما الولد، وذكر في كتابه السبب، في قوله: {إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ} [الأنبياء: 90] فمن أجل مسارعتهم في الخيرات وحُسْن صلتهم بربهم أعطاهم الله تعالى.
* ماذا فعل مؤمن آل فرعون حين رأى القوم يتسلّطون على نبيّ الله موسى ؟ خرج إليهم بكل إيجابية ناصرًا للحق مؤيدّا لموسى  أمام أطغى الطغاة بدون خوف أو هلع، وقال: {أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ} [غافر: 28].
* ماذا فعل ذو القرنين حين وفد ضمن رحلاته الكثيرة إلى أرض سلبيّة قتلت الإيجابية في نفوس أبنائها بالاعتماد على الآخرين، حتى وضعوا له خرجًا ليبني لهم سدًّا؟ لقد حرّكهم بقوله: {فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ} وأعانوه وتحرّكوا وتحرّكت همّتهم وبنوا السدّ المنيع الحصين، حتى يأذن الله تعالى.
* ماذا حدث من مؤمن ياسين؟ ذلك الرجل القادم من بعيد كما قال القرآن الكريم: {وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ * اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ * وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [يس: 20 - 22] حرّك همم هؤلاء السلبيين الذين تباطئُوا عن الإيمان والتصديق.
* هل تذكر ما حدث من هدهد نبي الله سليمان  وما أحدثه من تغيير في إسلام أمّة كانت كافرة؛ لأنه كان إيجابيًّا في عرض الإيمان وحزين على ما وصل إليهم حالهم من الانحراف العقدي والإيمان؟ وشرّفه الله تعالى بذكره في القرآن المجيد..
وأخيرًا أيها الجمهور الكريم:
لم يُنزل ربّ العزّة كتابه إلا لِيُعْمَلَ به، وما كانت رسالته لتُختصر في تزيين مجالس القوم به، أو زخرفة الغُرف والسيارات بجمال مظهره الخارجي، وما كانت مهمّته أن يُجمَّل المساجد ببهاء جلده ووضعه على الرفوف؛؛؛ وإنّما أنزله ربُّنا  لكي يعمل به المسلمون ويتقدموا به في واقع حياتهم ويسودوا الأرض بأنوار توجيهاته وتطبيقاته.
 فجدِّدوا صلتكم بكتاب ربّكم، واقرئوه لواقع الحياة المعاصرة والمستقبلية، ولا تجعلوه كتاب ذكريات وحكايات، وقدّموه على ما سواه من الأفكار والأهواء، واجعلوه دستوركم في تصرفاتكم وسلوكياتكم، حتى إذا رآكم الناس قالوا: هذا هو الإسلام!!!..
احذرُوا هجران القرآن تطبيقا وسلوكًا،،،
وإن قرأتموه بألسنتكم فترجموه بأفعالكم بين الناس!!
وأسأل الله تعالى في عليائه أن يمنّ علينا وعليكم بمحبة كتابه المجيد، وأن يرزقنا تلاوته وتدبره والعمل به، وأن يرفع درجاتنا في الدنيا والآخرة، وأن يتقبّل منّا ومنكم صالح الأعمال، وأن يقدُر لبلادنا وأمّتنا كل خير ينفعها وينفع عموم الناس.. اللهُمّ آمين....

تعليقات حول الموضوع
اضافة تعليق جديد

      مقال المشرف

    قصتي مع القراءة «3»

    الكتب هي الإرث الذي يتركه العبقري العظيم للإنسانية، إرث ينتقل من جيل إلى جيل، هدية إلى أولئ

      في ضيافة مستشار

    د. أيمن رمضان زهران

    د. أيمن رمضان زهران

      استطلاع الرأي

    هل تؤيد فعالية الأستشارة الاليكترونية في حل المشكلات؟
  1. نعم
  2. أحياناً
  3. لا
    • المراسلات