قبل أن يدخلَ شهرُ رمضان
مستشارك الأسري

قبل أن يدخلَ شهرُ رمضان
 

 

 

 


د.إبراهيم التنم
 

 

 

 

 

 


دار الزمان دورته ، وها هي الأيام تُطوى سِراعاً ، فإذا نحن ننتظرُ شهراً غالياً عزيزاً، طالما تاقتْ النفوسُ لبلوغه، وهَفَتْ الأرواح لساعاته .


فأيامُه هي أحلى أيامِ العمرِ وأغلاها ، فيه الهدى والنور، والسعادة والحبور (شهر رمضان الذي أُنزل فيه القرآن هدى للناس وبيِّناتٍ من الهدى والفرقان ).


حياة شهر رمضان حياةٌ تختلف عن غيرها، حياة تعود فيها النفوسُ إلى رشْدِها، وباب ربِّها، فتنطلق حينها الجوارحُ إلى أعمالٍ صالحاتٍ، وطاعاتٍ وقرباتٍ.


الكلُّ منا ينتظرُ رمضان، ويتحيَّنُ قدومَ شهرِ القرآن، قد عَزَمَ على عمل الصالحات, لا بد لنا من وقفة صادقة مع عملٍ صالحٍ أبرُّ وأتقى، وأزكى وأبقى، هو: إصلاح القلوب في رمضان .


فما أحوج قلوبنا التي غزَتْها الشهوات والشبهات أن نتعاهدها بالتطهير والغسل قبل موسمِ الرحمة والغفران، لتذوق حقاً طعم رمضان ، وتعيشَ صدقاً حلاوة شهر القرآن .

 


ألا ما أسعدنا إذا دخل علينا رمضان وقلوبنا تشع نوراً وبياضاً وطِيبة وطهارة ، ذلك العمل الصالح، الذي ينفع صاحبه ويبقى (يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم ) .


الكلُّ يطمح في رمضان لتقوى الرحمن ، وهل الصيامُ والقيامُ إلا لأجلِ بلوغِ هذا الهدفِ المنشود؟ وصاحبُ القلبِ السليمِ هو قريبٌ من نظِر الرحمن، فهو أقربُ وأحرى من غَيرِه بالرحمةِ والغفران ، فالله جل جلاله لا ينظر إلى الصورِ والأشكال ، وإنما ينظرُ إلى مستودعِ القلوب، ومكنوناتِ الصدور .

 


فشهرُ رمضانَ الذي أنزل فيه القرآنُ يحتاجُ إلى قلوب سليمة لتعيش مع القرآن، يحتاج إلى قلوب نقية، وأعمال زكية, تعظيماً وإجلالاً لله الواحد القهار .


يحتاج إلى صدور تهفو لآيات الوعد ، فتطير القلوب شوقاً لما عند الله ( وما عند الله خير للأبرار ) .


صاحبُ القلبِ السليمِ أهنأُ الناسِ عيشاً في رمضان، فلا لَغْوَ يلفظه الفَمُ، ولا خيانةً يرسلها الطرف، ولا فُحْشَ تُصغي له الأذان، ولا شُحَّ تقبضه اليد، ولا خَنا تمشي له القدم ، فهذه جوارحٌ قد استقامتْ باستقامة القلب، وصدق من لا ينطق عن الهوى صلى الله عليه وسلم: (ألا وإنَّ في الجسدِ مضغةً إذا صَلَحَتْ صَلَحَ الجسدُ كلُّه ، وإذا فَسدتْ فَسَدَ الجسدُ كلُّه ، ألا وهي القلب ).


إصلاح الباطن... يعني أن يتقلَّبَ القلبُ في أعمالٍ خَفيَّات ، من الإخلاص والتوكل والخوف والمراقبة لرب البريات.


إصلاح الباطن... يعني أن تُخالجَ القلبَ حسراتُ الندمِ على ما مضى وكان، في أيامِ الغفلةِ والعصيان، والله يحب التوابين ويحب المتطهرين.


إصلاح الباطن... يعني أن تكون بين جنبي العبدِ نفسٌ لوَّامة، تُحاسب ُصاحبَها على كلِّ تقصير ، ولا تَستهينُ بكل حقير ، وتؤزُّه نحو الخير أزَّا .


فالعبد لا يزالُ بخير ما كان له واعظٌ من نفسه، وكانت المحاسبة همَّتَه.

 


إذا صَلَحَ القلبُ واستقام, تحركت الهِمَّة، واشتعلت العزيمة ، فترى سليم القلب يملك نفساً توَّاقة نحو المعالي ، وروحاً بعيدة عن الكسل والتسويف والتواني .


قلبُه السليم الطاهر يدلُّه على كل خير، تراه يرتاح مع الصلاة، ويتشوق للصيام، ويَحِنُّ للقرآن.


ينشرح مع الذِّكْر، ويتلذَّذ بصلة الرَّحَم، ويسعد بزيارةِ المريض.


يأنس بمسح رأس يتيم، ويتحسَّس لسدِّ فاقة كلِّ كسير .


يُسارِع لِجَنَّة عرضُها السموات والأرض، بأعمال صالحة يبادر بها حياته قبل موته.


لنفتحْ صفحةَ مصارحةٍ ، وليسائل كل واحد منَّا نفسه : ما حالُه مع مَلِكِ الأعضاء وسيِّدِ الجوارح ؟


هل تفقَّد كلُّ واحدٍ منَّا باطنَه، فرأى بمنظار بصيرتِه أدواءً جاثمة في قيعان قلْبه؟


مَن منَّا وقف مع نفسه مذعورًا ؛ لأنه استشعر داء العُجْب والكبر يدبُّ في قلبه ؟!


هل تفقَّدنا القُلُوب من شهوة الرياء وحب الظهور؟ وهل تفقدنا الصدور من خَطَراتِ الاستعلاء ووساوس الغرور؟!


لا تلتفت يا عبد الله يمينًا وشمالاً، وتظن أنَّ هذه أدواء قد بُلي بها غيرك، وعوفيت منها، فالجميع منا يعاني قدرًا من هذه الأمراض، فالسعيد مَن اسْتَدْفعَها، والشقيُّ مَن أهملها، ها هو رمضان قد أزفت أيامُه ، ولاحت في الأفق أنوارُه ، فجدِّدوا فيه القلوب ، وعلِّقوها بعلام الغيوب .

 


فيا أخي المبارك

 

 سامح الخلق، واعف عمن أساء إليك, و يا من أخطأ في حق غيره, تحلل من أخيك قبل أن يأتي يوم لا درهم فيه ولا دينار, وإنما هي الحسنات والسيئات, فالعفو والمغفرة أعمال بارة صالحة، استحقَّ به أحد الصحابة جنةً عرضها السموات والأرض.


أيام ويعلن دخول رمضان ، فإن أدركناها فلنحمد الله على بلوغها ، وإن كان غير ذلك فاللهم ارحم منقلبنا إليك .

 


أخي المبارك

 

كن أول السَّبَّاقين ، وعجِّل لرضى ربِّ العالمين، املأ قبلك إخلاصاً، وفؤادَك إخباتا، وانه نفسك عن هواها .


عاهد نفسك ورتب جدولك ووقتك، فأيام شهرك أقل من أن تضيعها في مسامرات ضائعة، أوصبوة طائشة, أو اجتماعات عقيمة.

 

 


 


تعليقات حول الموضوع
اضافة تعليق جديد

      مقال المشرف

    أسرة آمنة

    اعتقادي الجازم الذي أدين به لربي عز وجل بأن (الأسرة الآمنة) هي صمام الأمان لمجتمع آمن، ووطن مستقر، ومستقبل وضيء، وهو الذي يدفعني لاختيار هذا العنوان أو ما يتسلسل من صلبه لما يتيسر من ملتقيات ومحاضرات وبرامج تدريبية أو إعلامية، ومنها ملتقى

      في ضيافة مستشار

    د. أيمن رمضان زهران

    د. أيمن رمضان زهران

      استطلاع الرأي

    هل تؤيد فعالية الأستشارة الاليكترونية في حل المشكلات؟
  1. نعم
  2. أحياناً
  3. لا
    • المراسلات