( العنف ) .. لغة اليائسين
نفسيّات

( العنف ) .. لغة اليائسين
 


 

 

 

 


خليل الفزيع

 

 

 

 

 


على مستوى الأفراد..

 

كما على مستوى الجماعات والدول..

 

يظل العنف هو لغة اليائسين، وسلاحهم في معركتهم من أجل الحياة، بدوافع استحواذية واقصائية في الوقت نفسه، ويظل الهدف مشوها وقاتما ومعبرا عن النوازع السلبية في معظم الأحيان، فتأتي الأقوال والأفعال بدرجة من العنف أشبه بالانتحار، بعد الانسلاخ من معاني الطبيعة البشرية السوية، والدخول في عالم الوهم الذي تبنى عليه قصور من الرمال.

 

 

 فالعنف لا يحقق هدفا نبيلا، بل يطمس كل الملامح الجميلة في الحياة، ليبني على أنقاضها أحلاما وأوهاما أشبه بالسراب، لا تلبث أن تتلاشى عندما تتعرض لشمس الحقيقة المرة التي أكدتها حوادث التاريخ، وهي أن العنف مهما حقق من أهداف آنية، تشفي غليل اليائسين، أو تروي تعطشهم للانتقام، فإنها لا تلبث أن تعود بالهزيمة النكراء التي تخلف الندم والحسرة لدى من يملكون العقل السليم، كما تزيد من نهم المجانين، ليوغلوا أكثر في طريق العنف، لتكون النتيجة أكثر وبالا وأشد قسوة.

 

 

 تبدأ رغبة الاستحواذ بكل ما تحمله الأنانية من معنى، وبكل ما تعنيه عبادة الذات من سطوة، وبكل ما يجلبه الطمع من غياب محاذير الوقوع في الخطيئة، ولدوام هذا الاستحواذ وترسيخه؛ لا بد من إقصاء كل من يحمل بين جوانحه قيم الخير والحب والجمال، برفض هذه القيم والعمل على تدميرها، والنيل من دورها في إقرار طمأنينة النفس.

 

 

 

 فلا عجب أن يتنازع بعض الناس على توافه الأمور حتى وإن كانوا أخوانا وفي أمور لا تستوجب القطيعة، ولا تستدعي العنف، وكأنهم لا يرعون ذمة لصلة الرحم، ولا يقيمون وزنا للبر والتسامح، ولا يخافون مغبة البغضاء والحقد والتناحر. مع أن المؤمن لا يستحوذ ولا يقصي بدوافع شخصية سيئة، وغير مقبولة لا شرعا ولا عرفا، فلم تكن مثل هذه الدوافع الشخصية في يوم من الأيام من الأمور التي تقبلها النفوس الكريمة والعقول الناضجة المؤمنة بما قدر الله لها من النصيب في الدنيا، فتجترئ على غيرها دون وجه حق، ومتى كان الاجتراء على الغير وجها من وجوه الحق؟

 


عن أنس -رضي الله عنه- أن الرسول -صـلى الله عليه وسلم- قال: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه».

فإذا كان هذا القول يعني أخوة الإسلام، فهو إلى أخوة الدم والنسب أولى وأقرب.

 


ولم يكن العنف في القول أو العمل بين الناس عموما والاخوة خصوصا، وسيلة ناجحة لتحقيق النتائج الإيجابية، بل أنه على الدوام يخلف نتائج سلبية قد تمتد إلى الأجيال التالية، إنه مثل كرة الثلج تكبر وتكبر لتصل إلى مرحلة تصعب فيها السيطرة عليها، بعد أن تدمر نوازع الخير في النفس، وتقضي على الأمل في إنقاذها من الشر. وربما ينفض الناس من حول كل متصف بالعنف في أقواله وأفعاله، فلا يجني من عنفه سوى الخسران، وقد أدرك هذا المعنى أبو الفتح البستي المتوفى في بخارى عام 401 هـ

 

في قوله ضمن نونيته الشهيرة:


أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهمُ


فطالما استعبد الإنسانَ إحسانُ


أقبل على النفس واستكمل فضائلها


فأنت بالنفس لا بالجسم إنسانُ


وإن أساء مسيءٌ فليكن لك في


عروض زلته صفحٌ وغفرانٌ

 

 


ولا عجب أن يكون العنف هو لغة اليائسين من إصلاح نفوسهم، والتخلي عن أنانيتهم، واستيعاب الوعي الكامل بوجوب التعاون على البر والتقوى، ومن التقوى التسامح. إن لم نقل اليائسين من رحمة الله وعدله، والعياذ بالله.

 

وللشافعي في التسامح قوله:


كن كالنخيل عن الأحقاد مرتفعا


تُرمى بطوبٍ فتلقي أطيبَ الثمرِ

 

 

 

 



المصدر / صحيفة اليوم ، العدد 15535
 

 

 

 

 

 


تعليقات حول الموضوع
اضافة تعليق جديد

      مقال المشرف

    المراهقون.. المستقبل الأقرب

    «إلى التي قالت لي ذات ليلةـ وأنا في السابعة من عمري- هل صليت العشاء؟ فقلت لها كاذبا: نعم! فنظرت إلي نظرة شك، وقالت: قل ما شئت.. ولكنه قد رآك، فأفزعتني: «قد رآك» هذه.. وجعلتني أنهض لأصلي.. رغم ادعائي الكاذب! إلى أمي». هكذا أهدى الأستاذ ع

      في ضيافة مستشار

    د. أحمد فخري هاني

    د. أحمد فخري هاني

      استطلاع الرأي

    أتحدث مع شريك الحياة حول سلبيات وممارسات وقعت فيها في الماضي قبل الزواج
  1. كثير
  2. أحياناً
  3. نادرا
    • المراسلات