نحو تنشئة متوازنة في مواجهة الفكر الإرهابي
بين الأسرة والمجتمع

نحو تنشئة متوازنة في مواجهة الفكر الإرهابي
 

 

 

 

 

 

 


د. فرحان بن سالم العنـزي

 

 

 

 

 

 


مما لا شك فيه أن ما حدث في أول أيام عيد الأضحى المبارك، من قيام أحد الجناة وبمعاونة أخيه، باختطاف ابن عمهم الذي نشأ وترعرع معهم، وقتله بصورة بشعة دامية، ليس لسبب سوى التحاقه بالقطاع العسكري!! وتصوير فعلتهم النكراء لإثبات ولائهم لما يعرف بداعش، ثم الهجوم على أحد المراكز الأمنية وقتل الأبرياء من عسكريين و مدنيين، في صورة همجية تمثل أبشع صور التخلف والغدر والخيانة والعقوق للأهل والوطن والإفساد بالأرض...

 


ومن الملفت للنظر، تكرر أحداث مشابهة في أوقات متقاربة لنفس الفكر والتوجه، كمن تقرب إلى الله بقتل خاله في الرياض، والآخر الذي قتل والده في أبها!!، الأمر الذي يدل على وجود أيديولوجيا معينة تقف وراء تلك الوقائع، وأن الأمور لا تحدث بالصدفة، بل تأخذ منحىً جديداً ضمن ما تسعى إليه في تنفيذ مخططاتها، يتمثل في النيل من الأسرة بصفتها لبنة المجتمع الأولى، ومكونه الرئيس، في محاولة دنيئة لتفكيكه وزرع الفتنة والقطيعة والعنف المتبادل فيه، حين يكون الفعل هو القتل والضحية هم الأقارب.

 

 وبطبيعة الحال فإن مثل تلك التوجهات تحتاج أن ينفذها أشخاص غير عاديين لهم مواصفات خاصة كانعدام التفكير المنطقي وضعف البصيرة، والحماس الزائد والجهل ووجود الفراغ، وارتفاع سقف الاحتياجات المهملة، ولأن من الصعب الحصول على هذه المواصفات في غير الفئات العمرية الأقل في مرحلتي المراهقة والشباب، حيث بداية تشكل الهوية والاتجاهات، والحاجة إلى تقدير الذات، فإن من يعزف على وتر الاحتياجات، ويعمل على دغدغة المشاعر ويستغل الظروف باحترافيه، يستطيع أن يعيد توجيه عجلة النمو وفقاً لمبتغاه، في ظل غفلة المجتمع عن أبنائه وضعف برامج التوجيه والإرشاد والانفتاح الإعلامي في عصر الانترنت.

 


وغني عن القول إن مخططي داعش يبذلون جهوداً كبيرة في سبيل تحقيق أطماعهم، وفي المقابل كان هناك جهود أمنية لم تزل تبذل، قد ثبت فعاليتها في إحباط كثير من العمليات قبل وقوعها، وفي إلقاء القبض على المطلوبين، وكذلك على المستوى الفكري من خلال برامج المناصحة في إزالة كثير من الشبهات لدى بعض الشباب.

 


ولكن هل ننتظر حتى يقع الفأس بالرأس ليتم اللجوء إلى الحل الأمني، ثم المناصحة والرعاية!!، أم أن هناك إجراءات أخرى يمكن القيام بها، من شأنها قطع الطريق على من يقتنص الشباب ويخطط لتجنيدهم كأدوات طيعة لتحقيق أهداف التنظيمات الإرهابية التي تستخدم الدين مطية لتحقيق أهدافها السياسية، مع أنها تختلف معه في أدق التفاصيل.

 


إن الجهل والفقر، وعدم وضوح الهوية واضطراب الدور والخواء المعرفي والفراغ وغياب القدوة الحسنة، وأخطاء تقدير الذات، والافتقار الى الحب والتقدير، عوامل تساعد في نشوء شخصية ضعيفة لديها القابلية للإيحاء والتأثر والانقياد السريع. وحيث يؤكد علماء النفس على أن التوازن في تحقيق الحاجات النمائية ورعاية النمو السليم يعمل على تكوين شخصية إيجابية تتميز بقدر كبير من الصحة النفسية، متينة لا يمكن التأثير عليها بسهولة، وحيث تتناثر جهود تنشئة الشباب بين اكثر من جهة قد تتعارض في التوجه أحياناً!!، فإن الوقت اصبح مهماً اكثر مما مضى لإنشاء وزارة للشباب تعنى بالإشراف على جميع برامج رعاية الشباب، ورعاية مظاهر النمو السوي وفق استراتيجية وطنية متكاملة، تجمع بين الترفية والتدريب والتنمية البشرية وبناء القدرات وتطوير الذات، بالتكامل مع دور المدرسة وفق مفهوم المنهج الشامل وتفعيل الأنشطة الحياتية والحماية الفكرية.

 

والاهتمام بالأسرة وتحقيق الدعم المادي واللوجستي لتتمكن من أداء وظائفها، والتأكيد على دور العلماء وجماعة المسجد والمؤثرين في المجتمع في التواصل الإيجابي مع الشباب، وتفعيل دور وسائل الاعلام في صناعة القدوة (النموذج) وتنمية الوعي المجتمعي، وتوضيح الدور وتشكيل الهوية للعمل مع المنظومة وفق وحدة الهدف.

 


ويمكن القول: إن العمليات الإرهابية المتتالية في مناطق متفرقة في السعودية، واستهداف رجال الأمن والأقارب، يشير إلى مرحلة جديدة من الحرب مع الإرهاب تستخدم أسلوباً مختلفاً هو تقويض المجتمع من الداخل ومحاربة المؤسسة الرئيسة فيه ولبنته الأساسية (الأسرة)، من أجل تفكيكه ليكون ضعيفاً طيعاً في تحقيق ما يصبون إليه من أهداف. الأمر الذي يحتاج في المقابل إلى خطة علمية متكاملة، لبناء شخصية الشباب القوي بسلاح العلم والايمان المحصن بالمنهج السليم والتفكير المنطقي ضد الاختراق أو العبث بما ينتمي إليه من وطن ومقدرات.

 


وقفة: تنفيذ العمليات الإرهابية التي وقعت مؤخراً في السعودية بأيدي شباب مواطنين صغار في السن، يشير إلى أزمة حقيقية في التربية، تستلزم مراجعة كافة برامج وسائل التنشئة الاجتماعية وإعداد إستراتيجية عامة تتكامل فيها كافة الجهود تحت مظلة واحدة (وزارة الشباب)، لتحقيق الغاية من التربية في إعداد المواطن الصالح.

 

 

 

 

 



 


تعليقات حول الموضوع
اضافة تعليق جديد

      مقال المشرف

    القطاع غير الربحي ورؤيتنا الوطنية

    قرابة ألف رجل وامرأة يحتشدون في فندق ردس كارلتون الرياض؛ ليطلقوا حمَامَات المستقبل الوضيء للعمل الخيري في وطن الخير المملكة العربية السعودية، وبشائر النماء في زمن الحروب والنضوب تؤكد أن مقدرات الوطن ليست محصورة في النفط، بل هي هناك في العنصر البشر

      في ضيافة مستشار

    د. أحمد فخري هاني

    د. أحمد فخري هاني

      استطلاع الرأي

    أتحدث مع شريك الحياة حول سلبيات وممارسات وقعت فيها في الماضي قبل الزواج
  1. كثير
  2. أحياناً
  3. نادرا
    • المراسلات