في قضايا التربية الجنسية المعاصرة.
محاضن تربويّة

في قضايا التربية الجنسية المعاصرة.
 
1 بدون عنوان

 

أ.د.علي أسعد وطفة .

 

 



تمثل مظاهر الحياة الجنسية عند الشباب الهاجس الذي يقض مضاجع الأسرة ويعكر صفوها. ومن هذا المنطلق تأخذ هذه المسألة مكان الصدارة بين قضايا الحياة التربوية المعاصرة. فالتطورات المذهلة في مجال الإعلام ووسائل الاتصال تؤدي اليوم إلى اهتزاز منظومة القيم والمعايير الأخلاقية السائدة، ولاسيما هذه التي تتصل بالحياة الجنسية ومتطلباتها عند الأطفال والشباب والناشئة.

فنحن في عصر يترتب فيه على الإنسان أن يواجه الطفرات القيمية والتربوية التي تهز الوجود القيمي في الثقافة الإنسانية برمتها. وإذا كنا اليوم على مشارف القرن الواحد والعشرين فإن إدخال هذه التربية الجنسية إلى حياتنا ومدارسنا أصبحت اليوم أكثر إلحاحا من أي وقت مضى وذلك لما يشهده ذلك العصر من انقلابات جذرية وعاصفة في ميادين الحياة كافة دون استثناء. لقد أصبحت معرفة جوانب الحياة الجنسية من المعارف الهامة في مجال الحياة الإنسانية برمتها وأصبح ضروريا جدا أن نتعرف على هذا الجانب بصورته العلمية المتكاملة. وهنا يتوجب على المدرسة أن تواجه هذه القضية وأن تؤكد حضورها في الوقت نفسه.

لقد بدأ المسؤولون والعاملون في مجال التربية، في أصقاع متعددة من هذا العالم، وتحت إكراهات هذا العالم الاقتصادية والاجتماعية والتقانية، يوافقون على تناول مسألة التربية الجنسية والتحدث عنها بحرية واسعة وذلك في صدد إدخال هذه التربية إلى المدارس والمعاهد والجامعات .

ينظر الآباء إلى الحياة الجنسية للأبناء بوصفها حملا ثقيلا، ويسعى بعضهم إلى الابتعاد عن مقاربة هذه المسألة طلبا للهدوء وخوفا من مطبات التورط في جنباتها، لأنها تشكل بالنسبة لهم مصدرا للقلق والإنزعاج، وغالبا ما يلاحظ أن أكثرية الآباء لا يرغبون أبدا أن يعرفوا أي شيء عن حياة أبنائهم الجنسية وعن مشكلات هذه الحياة. ويلاحظ بأن مثل هؤلاء يجهلون كل شيء عن الحياة الجنسية وهم بالتالي لا يقرؤون عن هذه الجوانب ولا يدخلون في مجاهلها وليس غريبا أن نجد بعض المراهقين الذين يجهلون حتى أي شيء عن طبيعة حمل أمهاتهم أو أخواتهم .

وما يمكن أن يشار إليه في هذا الصدد هو أن خوف الراشدين من إيقاظ هذه الغرائز عند أبنائهم يجعلهم يقدمون إجابات خاطئة ومبتورة تاركين الأطفال في دوامات جراحاتهم المعرفية. فالإجابات الخاطئة هي في الأصل ممارسة لعنف معرفي، ومع ذلك كله فإن دافع الأطفال الجنسي يستمر في الوجود وينمو رغم كل شيء حتى المرحلة التي يستطيعون فيها ممارسة حقوقهم الجنسية المشروعة.

وتحت تأثير هذا الكتمان وهذه السرية التي يلف بها الراشدون الحياة الجنسية لأبنائهم يقع اليوم كثير من الشباب ضحايا الكتب الجنسية الرخيصة والمصورة أو ضحية معلومات منشؤها جماعات الأقران وثلل الرفاق .

فهناك بعض الأمهات اللواتي يلزمن الصمت المبطن حول الحياة الجنسية لبناتهن في طور البلوغ اللواتي عندما يصلن إلى مرحلة البلوغ ويشاهدن طفرة التغيرات الحاصلة، مثل الدورة الطمثية للمرة الأولى تعتريهن الصدمة النفسية التي تنعكس على مجمل حياتهن المستقبلية، فالشباب، ذكورا وإناثا، يجدون أنفسهم في حالة لا يحسدون عليها عند ظهور هذه التغيرات أو الطفرات الفيزيائية البيولوجية في أجسادهم، وهم يحاولون الوصول إلى توازنهم بعد صدمة البلوغ، من خلال الوسط الذي يعيشون فيه أي عن طريق الرفاق والآخرين. وهذا يعني أن حصول هؤلاء الأطفال على المعلومات في الوقت المناسب قد يكون ضروريا جدا. وذلك في إطار أجواء الثقة والمحبة التي يمكن أن تقوم بين المربي والشباب.

فالآباء يعتقدون أن كل اهتمام جنسي أو تناسلي قبل مرحلة البلوغ أمر شائن، وبعض الأمهات تساورهن الشكوك أحيانا بصدد الآثار التي يتركها الأبناء على ملابسهم. هذا الإستنكار وهذه المخاوف تمليها أحاسيس الخوف التي تمتلك الآباء على أبنائهم من الإنحراف، ويرتدى مثل هذا الاستنكار اثواب المبادئ الاخلاقية حيث يعاني الشباب اليوم من الرعب الذي ينبع من العذاب الأبدي الذي يمكن للآلهة أن تصبه على مرتكبي هذه الخطيئة.

وفي هذا الصدد يتحدث علماء النفس عن عقدة الخصاء (Complexe de castration): وهي تجاهل لا شعوري ولكنه مستهدف للدافع الجنسي، الذي غالبا وتحت تأثير هذه العقدة يستبعد نهائيا من ساحة الشعور وذلك عبر عملية تأنيب قهرية , وهذه العقدة تأتي بالتأكيد تحت تأثير التربية الجنسية القهرية، ومن أولويات هذه التربية تهديد الأهل المستمر لأطفالهم ببتر أعضائهم التناسلية، وهي سياسة تربوية تربط غالبا بين الجنسية وبين الإحساس بالذنب حيث تصبح عملية الفصل بين الجانبين عملية مستحيلة، وقد تنعكس آثار هذه العقدة أثناء الزواج أو الدخلة حيث يصاب الزوج بعملية إخفاق جنسية شديدة، وبالتالي فإن هذه العقدة تدفع الشباب إلى إنحراف قوامه الممارسات الجنسية المثلية (الهوموسيكسويل) أو إلى الممارسات الجنسية ذات الطابع السادي أو الماسوشي.

لقد عرفت بدايات هذا القرن شخصيات رائدة قدرت عاليا اتجاهات المنع والتحريم ولكنها في الوقت نفسه أدانت الجهل بقضايا الحياة الجنسية وأشارت إلى عواقبه الوخيمة.

لقد كتب الطبيب المشهور فورنيية كتاب المعروف المرسوم "من أجل ابنائنا عندما يبلغون العشرين من عمرهم" وفي هذه الأثناء وبعد صدور الكتاب كان الآباء في الغرب يستفيدون من هذا الكتاب ويدفعون ابناءهم إلى قراءته متجنبين بذلك مغبة الدخول في مناقشات لا يمتلكون لها القدرة، وبالتالي فإن الشباب كانوا يتعلمون ويدركون من خلال الكتاب عواقب الحوادث الجنسية المحتملة مثل أمراض السيلان والزهري والحمل.

وفي هذه المرحلة أيضا بدأت الأحاديث العلنية تسود بدلا من الصمت المطبق حول هذه القضايا، وبدأ النقاش يدور وخاصة بين الآباء حول نماذج التربية الجنسية المطلوبة، وكانت الأسئلة التي تدور هي هل يجب على الأب أن يجيب عن الأسئلة الجنسية التي يطرحها الأبناء؟ أم أن ذلك يجب أن يتم عن طريق المعلمين أو المدرسين؟ أم بتوسط طبيب العائلة؟ وهل يجب أن تبدأ التربية الجنسية في مرحلة مبكرة من العمر؟

عندما انتشرت نظرية فرويد وبدأ صداها يدق في كل مكان بدأت التربية الجنسية تجد لها قبولا جزئيا في أكثر الأوساط الاجتماعية، وبدأت مفاهيم هذه النظرية تؤثر في اتجاهات الآباء ومواقفهم، ويمكن الإشارة في هذا الصدد إلى مفهوم فطرية الغريزة الجنسية والتي تعني أن مظاهر الحياة الجنسية لا تعني أشياء مستهجنة بل تعني حالة نضج طبيعي، وأن الحياة الجنسية تؤدي وظيفة حيوية بالنسبة للوجود الإنساني.

ومن التصورات المركزية التي انطلقت منها نظرية فرويد يمكن الإشارة إلى الآثار التي تتركها الصدمات العاطفية على حياة الفرد النفسية والاجتماعية. وغني عن البيان ان بعض علماء النفس كانوا ينظرون إلى الطبع بوصفه صخرة من الصوان وأنه ليس رهينا بدرجة ما يتعرض له من الصدمات الصادرة عن المحيط. و من المؤكد أن فرويد، وهو تلميذ شاركو، وعلى خلاف ما سبقت إليه الإشارة، يؤكد أهمية الظروف المحيطة بالكائن، بل يعتقد أن المحيط هو الذي يجعل المرء حساسا أو قليل الحساسية تجاه الصدمات الإنفعالية، ولكن بعض علماء النفس المعاصرين ينكرون أهمية الوسط ويذهبون إلى القول بأن الطبع ليس رهينا أبدا بلعبة الصدمات الانفعالية، ومهما يكن الأمر فإن الظروف التربوية مثل النظام والتوجيه والعقاب تكمن في الأسباب الحقيقية للطباع غير السليمة.

فالحياة العائلية تعاني اليوم من الفوضى والفراغ ومن هذه الزاوية يجد بعض الناس ذريعة لتبرير الفوضى التي تظهر عند الشباب ويميلون إلى تحميل مسؤولية ذلك إلى ما يسمى بالصدمة الإنفعالية. وهذا كله يعني أن الارتماء في أحضان الرزيلة أمر في غاية السهولة وذلك في إطار الحرية الجنسية التي تضمن للشباب نوعا من التصريفات الإنفعالية الضرورية لميولهم الجنسية.

كانت الحياة الجنسية للشباب تجري قديما تحت رعاية الأبوين وإشرافهما، ولكن صيرورة هذه الحياة منحت الشباب في أصقاع عديدة من العالم مناخ الحرية الجنسية الواسعة التي أدت وتؤدي إلى مظاهر الانحراف السلوكي. ويمكن ملاحظة هذه المظاهر والانحرافات في كل مكان حيث يعكس ذلك الهوة القائمة بين تطور القيم وبين التطور الاقتصادي والاجتماعي الذي ينعكس على طبيعة العلاقة القائمة بين الجنسين .

ومن هذا المنطلق يجب أن تتضافر جهود المربين والمعلمين والآباء وأن تركز على أهمية الجوانب الإيجابية للتربية الجنسية وذلك في سياق الاستجابة للتطورات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية الجارية في هذا العصر. فالآباء يرغبون في تحقيق خير أبنائهم وإذا كان ذلك هو حالهم فلماذا لا يحاولون فهم وإدراك أبعاد هذه المشكلة؟ وذلك من أجل المحافظة على الجوانب الأخلاقية والقيمية لحياة أطفالهم وأبنائهم.

فأطفال اليوم يتساءلون، وهم يرفضون في الوقت نفسه عالم الأحلام، ويرفضون الحواجز التي تقف في دروب حياتهم وانطلاقهم، وفي هذا المسار تأخذ الحياة الجنسية طابعا خاصا ينفلت من الكائن الفرد ومن الجماعة. فالطفل اليوم يعرف بذكاء مدى الصعوبة التي ينطوي عليها هذا السؤال الخاص بالحياة الجنسية، وبالتالي فإن الرفض الذي يجابه فيه المجتمع أسئلة الأطفال أو هذه الأسئلة التي لا يستطيع المجتمع احتمالها يمكن أن تجد حلولها في إطار ثقافة جنسية في المدرسة والتي يمكنها أن تعالج واحدة من أهم المسائل التربوية في هذا العصر.

فأطفال اليوم يملكون معلومات هائلة جدا لدرجة أنهم لا يحتاجون إلى المدرسة من أجل المعرفة ولا سيما هذه الخاصة بالحياة الجنسية، ويكفي اليوم للأطفال أن يفتحوا أعينهم وآذانهم ليستطيعوا الوصول إلى معلومات هائلة عن الحياة الجنسية، فالمعلومات المراد تيسيرها في المدرسة موجود في كل مكان في السينما وفي التلفزيون وفي المناقشات وفي الكتب. إذا لماذا المدرسة؟ هل نرسل الأطفال للتعرف على ما عرفوه سابقا؟ أو ليعرف مالا يرغبون في معرفته .

إن اهتمام المدرسة المعاصرة بالتربية الجنسية من شأنه أن يقدم معلومات علميه حول الجنس ترتكز إلى وضوح تشريحي دقيق، وذلك يضمن للتلاميذ تعليما من غير صدمات، ويضمن لهم في الوقت نفسه حياة جنسية طبيعية وناجحة، فكل شيء يمكن هنا في إطار التربية الجنسية.

فالشباب كما هو معروف عنه يوجد لديه تعطش كبير لمناقشة جميع جوانب الحياة الجنسية وغيرها، وهم يقرؤون كتب ويلهلم رايش (Wilhelm Reich) ، وهم في سياق نشاطهم وقراءاتهم يطرحون اسئلة لا تتوقف حول المشكلات والمسائل الجنسية ويطلبون إجابات اساتذتهم الذين يعانون في الوقت نفسه من جهل كبير في هذه القضايا ولا سيما حول الجنس والتناسل والحياة الجنسية بصورة عامة.

وهنا يجب على المعلمين والمربين أن ينقلوا إلى الشباب القواعد والمبادئ التي تتصل بحياة الشباب الجنسية التي تغني روح الشباب وتدفعهم إلى الفصل بين هذه المعرفة والمعرفة الحقيقية لجسدهم. إذا كان الطبيب حقا يسعى إلى بناء صحة المريض والمحافظة على سعادته من هذه الزواية يتوجب على المعلم أن يساعد تلاميذه على تطوير امكاناتهم النفسية وخلق الروح المتوثبة الفضولية والقوية. ومن هنا أيضا يتوجب على جميع المتخصصين في مجالات الحياة التربوية والطبية والسياسية أن يعملوا متضافرين من أجل مواجهة مقتضيات وضرورات تربية جنسية أو ثقافة جنسية متكاملة في مجالات الحياة الإعلامية والتربوية والثقافية.

--------

المراجع

Suzanne Kepes: Lettre aux Enseignants A Propos de L’éducation Sexuelle , Bordas, Paris , 1974 .

Pierre Burney: L’amour , que sais -Je , P.u.F., Paris , 1990 .

Valabreque: L’éducation sexuelle ? l’étranger , Casterman , Paris,1974.

أوسفلد شفارتس: علم النفس الجنسي، ترجمة شعبا بركات المكتبة العصرية، بيروت، 1972 .

جيروم كاغان: أطفالنا كيف نفهمهم؟ ترجمة عبد الكريم ناصيف، دار الجليل، أبو ظبي، 1979.

قيس خزعل جواد: جريمة الاختلاف، الفكر العربي المعاصر , عدد (50-51)، إيار/ نيسان، 1988. (109-117) .

ويلهايلم رايش: الثورة والثورة الجنسية، ترجمة محمد عيتاتي , بيروت دار العودة، 1972).

 

 

 

 

 

 


تعليقات حول الموضوع
اضافة تعليق جديد

      مقال المشرف

    الأسرة.. 10 ثغور.. و10 ثغرات

    في عالم يموج ويتداخل ويتثاقف بلا حدود، يتنامى القلق على أطفال الي

      في ضيافة مستشار

    د. أيمن رمضان زهران

    د. أيمن رمضان زهران

      استطلاع الرأي

    هل تؤيد فعالية الأستشارة الاليكترونية في حل المشكلات؟
  1. نعم
  2. أحياناً
  3. لا
    • المراسلات