الرحلة الحفراوية

الرحلة الحفراوية





حطت طائرتي في مطار (القيصومة) على إطلالة شتوية رائعة، الحرارة لم تتجاوز 7 مئوية، ومع ذلك فقد شعرت بالدفء مباشرة حين احتضنت عيناي ذلك الشاب المنتظر بلهفة على بوابة الاستقبال، أبديت له اعتذاري لما تسببت له من إزعاج بحضوره من (حفر الباطن) في هذا الوقت المبكر جدا، والبرد شديد، فبادرني: (أنت دفؤنا)، هكذا تجد نفسك بين هؤلاء الكرماء نفسا وعطاء وأخلاقا وضيافة، الوقت يمر بين يدي بسرعة فائقة، هكذا يبدو لي، ولكن الأحداث تتسارع بين يدي أيضا، فقد ذهبت مع سعادة مدير مركز التنمية الأسرية بالحفر الأستاذ خليف العنزي إلى حيث مقره؛ وكنت قد زرته فيما مضى، فرأيته خلقا آخر، وكأنه ليس الأول تماما، فقد تطور كل شيء، الواجهة والقاعات، والتأثيث، والمستلزمات، والأهم من هذا كله هو استقطابه لكوادر وطنية متميزة، تؤمن بهدفها السامي الساعي في الإصلاح الأسري، وتضحي من أجل تحقيق نجاح متميز في وقت قصير.

وعلى باب المركز وقف فريق العمل الرائع، الذي يبدو أنه لم ينم الليلة الماضية استعدادا لبرنامج اليوم، وهو الهدف من هذه الزيارة: برنامج تدريبي يحاول وضع بعض الحلول لأزمة الوالدين مع أولادهم، وهم (جميعا) يواجهون عاصفة الانفتاح غير المحدود، وغير المنقح، وغير المأمون من الشبكة العالمية (الإنترنت).

أكثر ما لفت نظري في زيارة الحفر هو ذلك التعاون المبدع بين القطاعات الثلاثة، الحكومي بمحافظته، ومحكمته، ودوائره التعليمية الكبرى كالجامعة وإدارة التعليم، والقطاعات العسكرية والسجن والإصلاحية، وغيرها، والقطاع الخاص بدعمه للقطاع غير الربحي (الخيري).

ومن هنا بدأت القصة، فقد حضر لمقر المركز كل من مدير مركز التنمية الاجتماعية الأستاذ عايض المريخي، ومدير التدريب الأهلي بالحفر الأستاذ سليمان الناصر، بدعوة من مدير مركز التنمية الأسرية بالحفر الأستاذ خليف العنزي؛ وهما لا يعلمان أن الهدف هو تكريمهما على تعاونهما البناء في تطوير مركز التنمية الأسرية، وقد أبدى كل منهما على حدة استعداده الكامل للتعاون البناء مع الجمعيات الخيرية بشكل عام، ومركز التنمية الأسرية بشكل خاص، وأن ما قدماه هو ما يمليه الواجب وحسب، وهو ما يحكي الواقع الجميل في جميع الدوائر الحكومية في حفر الباطن.

بعدها التقيت بعدد من رجال التعليم على رأسهم سعادة مدير التعليم الأستاذ عايض بن نافع الرحيلي، وكان الحوار التربوي حول حراسة فكر الطالب من المؤثرات المنحرفة، وطرائق كسب الطالب وتوجيهه إلى ما فيه الخير له ولذويه ولوطنه الكريم، والتحذير من مصايد الفكر الضال الذي صار يتدسس في أشكال مختلفة كالألعاب الإلكترونية والمواقع الجذابة.

وتوجهت إلى مركز فريد من نوعه ربما في الشرق الأوسط، مركز الأيتام واليتيمات، حيث العمل المبني على أسس علمية ومهنية عالية، يقوم به حوالى (150) موظفا وموظفة، أعدُّهم جميعا من المتطوعين، نظرا لعدم تكافؤ ما يأخذونه من العائد المادي مع الجهد فائق الجودة الذي يقومون به، وهنيئا لهم هذا العطاء الذي يرتقي بهم إلى منازل الأنبياء إذا حسنت النية وصح العمل. في هذا المركز يجد اليتيم الكفالة الحقيقية، وليست الكفالة الجزئية التي تقدمها معظم الجمعيات الخيرية، فكل يتيم تُلبى له جميع احتياجاته الإنسانية، من غذاء ومأوى ومتابعة في التعليم، وبناء للشخصية، وتطوير للمواهب، وتشجيع في ميادين الإبداع المختلفة.

خرجت وأنا أتخيل هذا المركز في كل منطقة ومحافظة في بلادنا السعودية الكريمة.

وبعد العصر كان اللقاء مع حوالي مائة وعشرين متدربا ومتدربة يؤكدون الحاجة الملحة لهذه البرامج من جانب، ويشيرون إلى ما استجد من مشكلات في العلاقة مع العالم الافتراضي، والتي وصلت حد الجرائم الإلكترونية، وأصبحت تمثل أبرز أسباب التفكك الأسري.

ولم يؤذن العشاء إلا وأنا في مركز (حياة) لمكافحة التدخين، الذي أثبت جدوى التوعية في المدارس والمجمعات العامة للتحذير من دخول عالم المرض القاتل من بوابة أنبوبة القتل البطيء.

خطوات وجدت نفسي بعدها أمام معلم جديد تفتقر إليه كثير من المحافظات، هو اللجنة الطبية الخيرية (معافى)، التي ولدت شابة، وحققت أهدافها بجدارة في غضون سنتين اثنتين فقط، وبعد استماعي ومشاهدتي لتلك الإنجازات الإنسانية، قلت في نفسي: وأين أطباؤنا في كل محافظة لا توجد فيها مثل هذه اللجنة الرائعة؟!

لم يسدل الستار على هذه الرحلة الحفراوية إلا في مجلس زميل الحرف في هذه الجريدة الأستاذ الكريم شلاش الضبعان؛ حيث دعا في منزله الجميل الأنيق عددا من وجوه البر في الحفر وما جاورها، وقضيت معهم ليلة من أجمل ليالي العمر..

التفت إلى الوراء فلم أصدق أن كل ذلك حدث في يوم!!

شكرًا أيها الحفراويون النبلاء.. فلقد حملت منكم للعالم أجمع رسائل سأظل ردحا من الزمن أتابع إرسالها.. لعلها تجد الصدى الجميل الذي يحكي صوتكم الرائد.



http://www.alyaum.com/article/4175999

مقالات سابقة

    مقال المشرف

الرحلة الحفراوية

حطت طائرتي في مطار (القيصومة) على إطلالة شتوية رائعة، الحرارة لم تتجاوز 7 مئوية، ومع ذلك فقد شعرت بالدفء مباشرة حين احتضنت عيناي ذلك الشاب المنتظر بلهفة على بوابة الاستقبال، أبديت له اعتذاري لما تسببت له من إزعاج بحضوره من (حفر الباطن) في هذا الوق

    في ضيافة مستشار

د. سعدون داود الجبوري

د. سعدون داود الجبوري

    استطلاع الرأي

أحرص على ممارسة رياضة المشي
  • نعم
  • أحياناً
  • لا
    • المراسلات